الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠ - ٣ البصمة الوراثية في اختبار الأبوة و البنوة
و اليمين، إذ مع علم القاضي بالحقّ إذا حكم بخلافه لا يكون حكمه بما أنزل اللّه، و بالقسط، و بالعدل، و القضاء طريق إلى إحقاق الحقّ و إبطال الباطل دون العكس، فالبصمة الوراثيّة كالإقرار و الاستصحاب حجّة في القضاء أيضا.
اعلم، أنّه لا فرق في ترتّب الأحكام الشرعيّة على الوالدين و الأولاد بين كون الأولاد عن نكاح و سفاح؛ إذ لم يثبت من الشرع اصطلاح خاصّ في مفاهيم كلمات «الوالدة و الوالد، و الأب و الأم، و الأولاد و الابن و البنت» سوى ما يفهمه العرف و اللغة، و إنّما الثابت بدليل شرعي انتفاء الإرث في فرض الزنا، و هو لا يدلّ على انتفاء الأبوّة و الابنيّة مثلا؛ لأنّه تخصيص في حكم من الأحكام.
و من هنا يمكن أن يقال بأنّ البصمة اليدويّة أو الوراثيّة إذا أفادت اليقين أو الاطمئنان بأنّ فلانا ابن أو بنت لفلان أو فلانة، نحكم بها و نرتّب عليها الآثار الشرعيّة، سوى الميراث؛ فإنّ البصمة لا تثبت أنّ الولادة عن نكاح، لكن يمكن أن يقال بأنّ الميراث مترتّب على مجرّد العناوين المذكورة (الأب، الابن، البنت و الأم مثلا) و إنّما المانع منه الزنا، و البصمة كما لا تثبت النكاح لا تثبت السفاح أيضا، فعند الشكّ في المانع يرجع إلى استصحاب عدم الزنا، بل لو فرض ترتّب الميراث على النكاح المشروع يمكن أن نثبته عند الشكّ بأصالة الصحّة في عمل المسلم، كما فصّل في محلّه.
و ربّما فصل بين حالة إثبات النسب و حالة نفيه و حالة التنازع و الترافع إلى القاضي، فاعتمد على البصمة على الحالتين الأخيرتين دون الحالة الأولى، و قال في وجهه: إنّ القواعد الشرعيّة تعتمد على اعتبارات أخرى غير التولّد و التكوّن، الاعتبار الأساسي فيها هو الزواج الذي عبر عنه الحديث النبوي «بالفراش» فإذا أخذنا بالإثبات بالبصمة الوراثيّة فقد ندخل في إدخال أنساب غير موجودة و ليس تحت مظلّة الزواج ترد وجود هذه البصمة، معنى هذا أنّ الشريعة أهدرته بالحديث الذى فيه «للعاهر الحجر» أي الرجم.[١]
أقول: كان هذا الاستثناء يتمّ على رأي بعض المذاهب الفقهيّة و فهمه من الحديث الشريف.[٢] لكنّ الحق الذي لا شبهة فيه أنّ الحديث يشرّع أماريّة الفراش على النسب في فرض الشكّ بغلبة الفراش على العهر. و هي أمر يعدّ حسنا عند العقلاء أيضا، دون فرض العلم باستناد الحمل إلى
[١] . نفس المصدر، ص ٣٥٨، عبارة المتن غير واضحة، لكن المقصود من مجموعها مفهوم.
[٢] . نفس المصدر، ص ٣٩٧.