الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٦ - كيف نتأكد أن الدورة الدموية داخل المخ قد توقفت؟
الاشتباه الجنائي، و يكون قد مرّ أسبوع مثلا على تشخيص موت المخّ و استمرّ المتوفّى على جهاز التنفّس الصناعي إلى أن توقّف القلب، و يسمي أطبّاء علم الأمراض و الطبّ الشرعي هذه الحالة بمخّ جهاز التنفس الصناعي(The respirator brain) و قد حضرت بنفسي بعضها، فعند فتح الجمجمة ينسكب من تجويفها قطع مهترئة شبه سائلة، و أحيانا سائل أبيض، و هو كلّ ما تبقى من المخّ بعد أن تحلّل تماما و قد توقّفت الدورة الدموية عنه لفترة طويلة.
إذن أصبح واضحا أنّ هناك ما يسمّى بموت المخّ، و أنّ هذا لا يتعارض مع وجود بقيّة الأعضاء لو لم يكن المصاب قبل موت مخّه متّصلا بجهاز التنفّس الصناعي بالفعل؛ لأنّ تلف جذع المخّ يستتبع توقّف التنفّس الصناعي أو التلقائي، و بالتالي توقّف الأكسجين عن جميع الأعضاء و تلفها بما في ذلك عضلة القلب، فتموت كلها دفعة واحدة مع موت المخّ و لهذا لم يعرف موت المخّ كتشخيص قبل وجود أجهزة التنفّس الصناعي في أقسام العناية المركّزة منذ بداية الستّينيات تقريبا.
بقي أن نوضح هنا أنّ تشخيص موت المخّ لا ينطبق عند توفّر الشروط الإكلينيكيّة في مرضى أمراض المخّ و الأعصاب على إطلاقها، بل لا بدّ أن تستبعد جميع أمراض التهابات المخّ و الأعصاب، و المرضى تحت تأثير العقاقير و السموم، و أمراض التمثيل الغذائي، كغيبوبة السكر و الكبد و البولينا، و كل غيبوبة غير معروف سببها، و كذلك الغيبوبة الناجمة عن انخفاض درجة الحرارة نتيجة البرد الشديد، و في مثل هذه الحالات تحدث أعراض مشابهة، و لكنها تكون قابلة للشفاء أحيانا بالعلاج المناسب، و يجب أن لا نخلط بينها و بين موت المخّ الحقيقي نتيجة إصاباته الشديدة، و تلف خلاياه المنضغطة داخل حيّز الجمجمة المحدود.
لقد واجه الأطبّاء في بداية الأمر هذا الموقف الطبّي الجديد لسنوات طويلة لم يقبلوا فيها مفهوم موت المخّ بسهولة كنهاية للحياة الإنسانيّة قبل دراسات مستفيضة في المملكة المتّحدة و غيرها من بلاد العالم المتقدّمة، و التي لها الزيادة في مجال الطبّ، تحدّث عنها الدكتور عصام الشربيني في جلستنا السابقة عن بداية الحياة و نهايتها في المفهوم الإسلامي، حيث شرح دور المؤسّسات الطبيّة في بريطانيا حيث تمّت متابعة ٧٠٠ حالة شخّصت موت المخّ طبقا للبروتوكولات أو الشروط الموضوعة فلم تعش منها حالة واحدة، كما تمّت أيضا دراسة عكسية لعدد ١٢٠٠ حالة من حالات الغيبوبة الشديدة التي استمرّت في الحياة لمدّة ثلاثة أشهر بعد إصابة المخّ، فوجد أنّ أيّا منها لم تستوف على الإطلاق شروط موت المخّ المعتمدة،