الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠ - لما ذا مشروع الجينوم
الوراثيّة جميعها، لكنّها مسجّلة تفصيليّا بحروف هجائها الأساسيّة التي ذكرناها. و المشروع طموح و ضخم، رصدت له أمريكا خمسة بلايين من الدولارات و قدّرت أنّه يستغرق السنوات الخمس عشرة القادمة، لكنّا مقدرون للمشروع أن يتمّ قبل ذلك أوّلا؛ لأنّ الدول التي لديها الإمكانيات قد تقاسمته فكل دولة تقرأ كروموزوما أو أقلّ أو أكثر. و ثانيا؛ لأنّ تقنيّات جديدة تخدم المشروع تبتكر كلّ يوم، و جزء من الميزانية مرصود لابتكار هذه التقنيّات الجديدة. و قد بدأ الأمر باكتشاف خمائر تستطيع أن تقطع شريط حامض النوويك في مناطق معيّنة و خمائر تستطيع أن تلحم في الشريط قطعة أخرى (القطع و الوصل). ثم صار بالإمكان فصل جين بعينه و استزراعه للحصول على المركّبات التي يفرزها أو حتى زرعه في مكان جين مثله معطوب، و التقدّم العلمي في هذا الباب يسير بسرعة مذهلة. و قد تكون له آثار مهمّة على حياتنا، كما الفناها، و لذلك خصصت ثلاثة بالمائة من الميزانيّة لدراسة النواحي الأخلاقيّة و الآثار الاجتماعيّة و المحاذير المرتقبة عند ما يتمّ هذه الإنجاز.
و للوصول إلى قراءة الجينوم البشري تجري قراءة عينات من عدد كبير من الناس؛ فالبشر يشتركون في الجينوم الإنساني، و جينات السمات المعيّنة، كلون العين أو طول القامة أو غيرها تأخذ الموقع نفسه على الكروموزوم و إن تباينت دلالاتها، و رغم هذا التطابق الهائل بين جميع البشر، فإن تفرد شخص بذاته بما يميّزه عن سائر الخلق يكمن في حوالي ٢ إلى ١٠ ملايين من بين ثلاثة البلايين من الوحدات القاعدية التي تكون الجينوم، و التي لو تسنى لنا أن نفردها لكانت خيطا طوله ستّة أقدام محشودا داخل النواة على هيئة الكروموزومات الستّة و الأربعين.
أمّا اكتشاف جين مرض بعينه: فيتمّ بالوصول إلى معرفة الجين الذي ينفرد به المرضى بهذا المرض مختلفا في تهجيته عن نفس الجين في الأسوياء، و لا بدّ من التنويه هنا إلى أن حمض النوويك الذي يشكّل أجسامنا هو بذاته حمض النوويك الذي يشكّل أجسام بقيّة الكائنات الحيّة؛ مكروبا أو حشرة أو طيرا أو حيوانا، إذن فليست طينتنا هي التي تجعلنا بشرا.[١]
لما ذا مشروع الجينوم
العلم لا يقبل التوقّف عند حدّ، و على هذا جبلّ الإنسان، و شهيّة الإنسان للمعرفة طاغية،
[١] . نعم، قوام الإنسانيّة بروحه الخارجة عن دائرة الحواس و العلوم المادّية، المدلّل بأدلّة عقليّة و قرآنيّة و ربّما بالوجدان أيضا.