الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٧ - هل يمكن أن يعود للحياة من مات مخه؟
و في النهاية استقرّت هذه الشروط و قد أجمعت عليها الهيئات الطبيّة البريطانية، و أصبح معمولا بها منذ عام ١٩٧٦ م.
هل يمكن أن يعود للحياة من مات مخّه؟
إنّ من يعلم عن وظائف المخّ أو طبيعة عمله، لا يمكن أن يظنّ مثل هذا الظنّ، فمن المبادئ الأساسيّة في علم الأمراض العصبيّة بصفة عامّة أنّ خلايا المخّ لا يمكن أن تتجدّد إذا تلفت، و كلّنا نعرف أنّ من تلف عصبه البصري تماما يبقى أعمى مدى حياته، و أنّ قطع النخاع الشوكي (الحبل الشوكي) في الحوادث نتيجة كسر العمود الفقري الصدري ينتهي بالإنسان أن يصير مقعدا، فإذا كانت الإصابة في الفقرات العنقيّة أصيب بالشلل في أطرافه الأربعة، و كلّها تستمرّ مدى الحياة، بل إن قطع النخاع في الفقرات العنقية العليا (الفقرة الثالثة العنقية مثلا) لا يصاب صاحبها بالشلل الرباعي فقط، بل يتوقّف أيضا تنفّسه التلقائي نهائيا، و يحتاج للتنفّس الصناعي مع كونه في كامل وعيه، فيعيش في أقسام العناية المركّزة ما بقي له من حياة، و في هذه الحالة الأخيرة، و بالرغم من كونه في حالة وعي كامل و مخّه سليم إلّا أنّ الغالبية العظمى تموت حيث إنه يصعب على الإنسان الحياة في حالة رقاد دائم، و لسنوات على أجهزة التنفّس الصناعي نتيجة تعرّضه لمضاعفات لا حصر لها.
لقد أثار انتباهي منذ بداية دراستي لجراحة المخّ أن جميع أعضاء الجسم يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بينما لا يمكن استبدال مخّ الإنسان، و لا يخطر ذلك على بال أحد، بل إنّ جميع أطراف الجسم يمكن أن تبتر و يظلّ الإنسان موجودا حتى بعد استئصال نصف المخّ (أحد النصفين الكرويين)(Hemispherectomy) و هي جراحة نادرة تجرى أحيانا في بعض حالات الصرع في الأطفال، بينما إذا لم يكن الفريق الجراحي في جراحات المخّ على حرص شديد؛ لعدم تعرّض جذع المخّ أو شرايينه و لو لبعض الضغط الخفيف أثناء الجراحة؛ فإنّ ذلك يتبعه صعوبة في إفاقة المريض قد تمتدّ لأكثر من أسبوع، و قد ولّدت هذه الملاحظات عندي الاعتقاد ليس فقط بأنّ المخّ هو أهمّ عضو في جسم الإنسان، بمعنى أن لا حياة بدونه، و أنّه لا يمكن استبداله، بل أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأنّ جذع المخّ يرتبط بسرّ حياة الإنسان، ففيه يكمن وعي الإنسان فهو الجزء من الإنسان الذي ينام و يصحو، و أنّ مخّ الإنسان الحيّ هو الإنسان ذاته، و أنّ جميع الأعضاء الأخرى خلقت لتقوم على خدمة هذا السيّد من توفير طلباته