المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٥٩ - عصمة الإمام
ويُقال لك: وما ينكر على هذا الإعطاء[٤٠٦] أن يتعبد الله الخلق بما في كتاب مطبق لا يمكّن أحدًا أن يقرأ ما فيه، ويأمر[هم] أن يبحثوا ويرتادوا [فيه]، ويعمل كلّ فرقة بما ترى أنّه في الكتاب. فإن أجزت ذلك أجزت على الله العبث؛ لأنّ ذلك صفة العابث، ويلزمك أن تجيز على كلّ من نظر بعقله في شيء واستحسن أمرًا من الدين أن يعتقده؛ لأنّه سواء أباحهم أن يعملوا في أُصول الحلال والحرام وفروعها بآرائهم، وأباحهم أن ينظروا بعقولهم في أُصول الدين كلّه وفروعه من توحيده وغيره، وأن يعملوا أيضًا بما استحسنوه، وكان عندهم حقًا، فإن أجزت ذلك أجزت على الله أن يبيح الخلق أن يشهدوا عليه أنّه ثاني اثنين، وأن يعتقدوا الدهر، وجحدوا البارئ جل وعز.
وهذا آخر ما في هذا الكلام؛ لأنّ مَن أجاز أن يتعبّدنا الله بالكتاب على احتمال التأويل، ولا مخبر صادق لنا عن معانيه لزمه أن يجيز على أهل عصـر النبيّ (ص) مثل ذلك، وإذا أجاز مثل ذلك لزمه أن يبيح الله كلَّ فرقة العملَ بما رأت وتأوّلت؛ لأنّه لا يكون لهم غير ذلك إذا لم يكن معهم حجة في أنّ هذا التأويل أصح من هذا التأويل، وإذا أباح ذلك أباح متبعهم ممّن لا يعرف اللغة، وإذا أباح أولئك أيضًا لزمه أن يبيحنا في هذا العصر، وإذا أباحنا ذلك في الكتاب لزمه أن يبيحنا ذلك في أُصول الحلال والحرام ومقاييس العقول، وذلك خروج من الدين كلّه، وإذا وجب بما قدمنا ذكره أنّه لا بدّ من مترجم عن القرآن وأخبار النبيّ (ص) وجب أن يكون معصومًا ليجب القبول منه، فإذا وجب أن يكون معصومًا بطل أن يكون هو الأُمة؛ لما بيّنا من اختلافاتها في تأويل القرآن والأخبار
[٤٠٦] الإغضاء: (خ ل).