المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٥٦ - عصمة الإمام
وجوهًا من التأويل، وكان أكثر القرآن والسنة ممّا أجمعت الفِرَق على أنّه صحيح لم يُغيَّر ولم يُبدل ولم يُزد فيه ولم يُنقص منه مُحتمِلًا لوجوه كثيرة من التأويل، وجب أن يكون مع ذلك مخبِرٌ صادقٌ معصومٌ من تعمُّد الكذب والغلط، منبئٌ عمّا عنى الله ورسوله في الكتاب والسنة على حق ذلك وصدقه؛ لأنّ الخلق مختلفون في التأويل، كلّ فرقة تميل مع القرآن والسنة إلى مذهبها، فلو كان الله (تبارك وتعالى) تركهم بهذه الصفة من غير مُخبِرٍ عن كتابه صادقٍ فيه لكان قد سوغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه؛ إذ أنزل كتابًا يَحتمل التأويل وسَنَّ نبيُّه (ص) سنةً تحتمل التأويل، وأمرهم بالعمل بهما، فكأنّه قال: (تأولوا واعملوا)، وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه.
فلمّا استحال ذلك على الله وجب أن يكون مع القرآن والسنة في كلّ عصـر مَن يُبين عن المعاني التي عناها الله في القرآن بكلامه دون ما يحتمله ألفاظ القرآن من التأويل، ويُبين عن المعاني التي عناها رسول الله (ص) في سننه وأخباره دون التأويل الذي يحتمله ألفاظ الأخبار المروية عنه علیه السلام المجمع على صحة نقلها، وإذا وجب أنّه لا بدّ من مخبر صادق وجب أن لا يجوز عليه الكذب تعمدًا ولا الغلط فيما يخبر به عن مراد الله في كتابه وعن مراد رسول الله (ص) في أخباره وسننه، وإذا وجب ذلك وجب أنه معصوم.
وممّا يؤكد هذا الدليل أنّه لا يجوز عند مخالفينا أن يكون الله~ أنزل القرآن على أهل عصر النبيّn ولا نبي فيهم، ويتعبدهم بالعمل بما فيه على حقّه وصدقه، فإذا لم يجز أن ينزل القرآن على قوم ولا ناطق به ولا معبر عنه ولا مفسـر لِمَا استُعجم منه ولا مُبين لوجهه فكذلك لا يجوز أن نتعبد نحن به إلّا ومعه من يقوم