الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٥١٩ - التعليقات
فهرس الرسالة الصفحة ٢٢١
التي تقع بين الناس فيما يرجع فيه إلى القضاة، كدعوى أنّ فلاناً مديون وإنكار الطرف، ودعوى أنه وارث ونحو ذلك، وفيما يرجع فيه إلى الولاة والأمراء كالتنازع الحاصل بينهما لأجل عدم أداء دينه أو إرثه بعد معلوميته، وهذا النحو من المنازعات مرجعها الأمراء، فإذا قتل ظالم شخصاً من طائفة، ووقع النزاع بين الطائفتين، لامرجع لرفعه إلاّ الولاة، ومعلوم أنّ قوله «في دين أو ميراث» من باب المثال، والمقصود استفادة التكليف في مطلق المنازعات، واستفسار المرجع فيها، ولهذا أكّد الكلام لرفع الإبهام بقوله: «فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة» ومن الواضح عدم تدخّل الخلفاء في ذلك العصر، بل مطلقاً في المرافعات التي ترجع إلى القضاة وكذلك العكس. فقوله ـعليه السلامـ: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنمّـا تحاكم إلى الطاغوت» انطباقه على الولاة أوضح، بل لولا القرائن لكان الظاهر منه خصوص الولاة، وكيف كان لا إشكال في دخول الطغاة من الولاة فيه، سيّما مع مناسبات الحكم والموضوع، ومع استشهاده بالآية التي هي ظاهرة فيهم في نفسها، بل لولا ذلك يمكن أيضاً أن يقال بالتعميم، للمناسبات المغروسة في الأذهان، فيكون قوله بعد ذلك: «فكيف يصنعان ؟» استفساراً عن المرجع في البابين، واختصاصه بأحدهما سيمّا بالقضاة في غاية البعد لو لم نقل بأنّه مقطوع الخلاف. وقوله ـعليه السلامـ «فليرضوا به حكماً» تعييناً للحاكم في التنازع، فليس لصاحب الحقّ الرّجوع إلى ولاة الجور ولا إلى القضاة، ولو توهِّم من قوله ـعليه السلامـ: «فليرضوا» اختصاصه بمورد تعيين الحكم، فلا شبهة في عدم إرادة خصوصه، بل ذكر من باب المثال، وإلاّ فالرجوع إلى القضاة الّذي هو المراد جزماً لايعتبر فيه الرضا من الطرفين.
فاتّضح من جميع ذلك أنّه يستفاد من قوله ـعليه السلامـ: «فإنّـي قد جعلته حاكماً» أنّه ـعليه السلامـ قد جعل الفقيه حاكماً فيما هو من شؤون القضاء وما هو من شؤون الولاية، فالفقيه وليّ الأمر في البابين، وحاكم في القسمين، سيّما مع عدوله ـعليه السلامـ عن قوله «قاضياً» إلى قوله «حاكماً» فإنّ الأوامر أحكام، فأوامر اللّه ونواهيه أحكام اللّه تعالى، بل لايبعد أن يكون القضاء أعمّ من قضاء القاضي وأمر الوالي وحكمه، قال تعالى: >>وَمَا كانَ لمُؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُه أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أمْرهِم...<<(الأحزاب ـ ٣٦).
وكيف كان لا ينبغي الإشكال في التعميم. بل يمكن الاستشهاد بأنّ المراد من القضاء المربوط بالقضاة غير ما هو مربوط بالسلطان، بمشهورة أبي خديجة «...فإنّـي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».