الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٤٤٢ - ٣ ـ الآيات التي تنكر عمل أهل الكتاب
فهرس الرسالة الصفحة ١٤٤
٢ ـ باب وجوب الرّجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشّيعة فيما رووه عن الأئمة (عليهم السلام)من أحكام الشريعة لا فيما يقولونه برأيهم [١].
أقول: إنّ النّاظر في روايات البابين لايجد رواية تدلّ على بطلان تقليد العاميّ لفقهاء الدّين الّذين يفتون على طبق الكتاب والسنّة والعقل فيما للعقل مجال الحكم، والرّوايات الواردة فيها ناظرة إلى فقهاء العامّة الّذين كانوا يفتون على طبق ضوابط ما أنزل اللّه بها من سلطان كالقياس والاستقراء النّاقص والاستحسان، والرّجوع إلى من باع آخرته بدنياه، فأين هذه الرّوايات من فتوى علماء الشيّعة النّابعة عن الكتاب والسنّة والأدلّة التي قام الدّليل القطعيّ على حجيتها.
وأظنّ أنّ الشيخ الحرّ العامليّ تأثر من محيطه وبيئته اللّتين كان يعيش فيهما، حيث كانت الفكرة الأخباريّة سائدة في زمانه، فقد توفّي عام (١١٠٤هـ) وعاش في عصر المجلسيّين الأوّل والثاني رحمهم اللّه. وكان رفض الاجتهاد وذمّ التقليد شعاراً لأكثر فضلاء تلك الدّورة إلى أن جاء المحقق البهبهانيّ [٢] فخدم الأُمّة
[١]الوسائل: ١٨/٩٨، الباب١١ من أبواب صفات القاضي.
(٢) قاوم الاخباريّون أو المحدّثون دور العقل في مختلف الميادين ودعوا إلى الاقتصار على البيان الشّرعيّ فقط، لأنّ العقل عرضة للخطأ، وتاريخ الفكر العقليّ زاخر بالأخطاء، فلا يصلح لكي يستعمل أداة إثبات في أيّ مجال من المجالات الدينيّة. ويرجع تاريخ هذا الاتّجاه إلى أوائل القرن الحادي عشر، فقد أعلنه ودعا إليه شخص كان يسكن وقتئذ في المدينة باسم «الميرزا محمّد أمين الاستراباديّ» المتوفّى سنة١٠٢٣هـ، ووضع كتاباً أسماه: «الفوائد المدنيّة» بلور فيه هذا الاتّجاه وبرهن عليه وجعله مذهباً.
وفي عقيدة المحدّث الاسترآباديّ أنّ العلم البشريّ الذي يستمد قضاياه من الحسّ هو وحده الجدير بالثّقة وكذلك الرّياضيّات التي تستمدّ خيوطها الأساسيّة ـ في زعمه ـ من الحسّ.
وفي ضوء ذلك نلاحظ التقاءً فكريّاً بين الحركة الفكريّة الاخباريّة والمذاهب الحسيّة والتجريبيّة في الفلسفة الأوروبيّة، فقد شنّت جميعاً حملة كبيرة ضدّ العقل، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ. إلاّ أنّ ذلك لم يؤدّ بالتفكير الأخباريّ إلى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسيّة الأوروبيّة، لاختلافهما في الظّروف التي ساعدت على نشوء كلّ منهما، فإنّ الاتجاهات الحسيّة والتجريبيّة في نظريّة المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلميّ الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهميّتها، فكان لديها الاستعداد لنفي كلّ معرفة عقليّة منفصلة عن الحسّ. وأمّا الحركة الأخباريّة فكانت ذات دوافع دينيّة، وقد اتّهمت العقل لحساب الشرع لا لحساب التجربة، فلم يكن من الممكن أن تؤدّي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدّين.
ولهذا كانت الحركة الاخباريّة تستبطن ـ في رأي كثير من ناقديها ـ تناقضاً، لأنّها شجبت العقل من ناحية لكي تخلّي ميدان التّشريع والفقه للبيان الشرعيّ، وظلّت من ناحية أُخرى متمسّكة به لإثبات عقائدها الدينيّة، لأنّ إثبات الصّانع والدّين لايمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعيّ، بل يجب أن يكون عن طريق العقل.
ومن العلماء الّذين نهجوا هذا المنهج تقريباً «السيّد نعمة اللّه الجزائري» و«الشيخ يوسف البحراني» وهذا كانت له طريقة معتدلة ولم يكن بتلك الحدّة التي كان عليها الاستراباديّ، ومثلهما «ملاّ محسن الفيض الكاشاني» و «الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ» وكلّ هؤلاء من علماء الشيعة ومفاخرهم لكنّهم نهجوا في الفقه ذلك المنهج ولم يكونوا في تلك الشدّة التي كان عليها الاستراباديّ.
واستمرّت هذه الفكرة حتى القرن الثّالث عشر فوصلت إلى ذروتها، ولكنّها أخذت تنهار بعد أن وقف أمامها المحقّق محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بـ«الوحيد البهبهانيّ» وقد ولد في اصفهان سنة(١١١٨هـ) ويقول الخوانساريّ في حقّ البهبهانيّ:
«كان مروّج رأس المائة الثالثة عشرة من الهجرة المقدّسة، ارتفعت بميامن تأييداته المتينة أغبرة آراء الأخباريّة، كما أنّه انطمست آثار البدع من جماعة الملاحدة والغلاة والصّوفيّة.
وقد سمّي بـ«آية اللّه تعالى من غاية الكرامة له، كما سمّي من قبله العلاّمة بـ«آية اللّه».(روضات الجنات: ٢/٩٤).
ويقول أيضاً: «قد كانت بلدان العراق سيّما المشهدين الشّريفين مملوءة قبل قدومه من معاشر الأخبارييّن، بل ومن جاهليهم والقاصرين حتّى إنّ الرّجل منهم كان إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا حمله مع منديل، وقد أخلى اللّه البلاد منهم ببركة قدومه واهتدى المتحيّرة في الأحكام بأنوار علومه»(روضات الجنات: ٢/٩٤).
توفيّ المحقّق البهبهاني عام(١٢٠٦هـ) ودفن في الرّواق المطهّر الحسينيّ (عليه السلام) قريباً ممّا يلي أرجل الشّهداء.(ترجم في روضات الجنات: ٢/٩٤). راجع المعالم الجديدة للأُصول ـ الشّهيد السيّد الصدّر: ٤٢ ـ ٤٥وعلم الأُصول تاريخاً وتطوّراً: ١٦٨ ـ ١٧٤.