الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٣٢٣ - ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟
فهرس الرسالة الصفحة ٢٥
ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟
إعلم بأنّ الشريعة الإسلامية الغرّاء، تشريع كامل لم يترك شيئاً ممّا له ارتباط بحياة البشر عاجلاً وآجلاً. فقد عالج تلك النّاحية الحيويّة بنصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة المعصومين (عليهم السلام)حكاماً وقضاة، واللاّزم على الأُمّة الرّجوع إليهم (عليهم السلام) فيما اختلفوا فيه حكماً كان أو موضوعاً، وليس لأحد القضاء بين النّاس إلاّ بإذن منه سبحانه، وتوضيحه:
إنّ القضاء بين الناس لمّا كان ملازماً للتصرّف في أموالهم وأنفسهم، احتاج التلبّسُ به إلى ولاية حقيقيّة يمارس في ظلّها ذلك التصرّف، وليست هي إلاّ للّه سبحانه، فلا ولاية لأحد على أحد ولاينفذ قول أحد ورأيه في حقّ أحد، إنمّا الولاية للّه سبحانه، قال تعالى: (إِنِ الُحكْمُ إلاّ للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين) (الأنعام ـ ٥٧). وقال سبحانه: (إنِ الحكمُ إلاّ للّهِ...)(يوسف ـ ٤٠)، إلى غير ذلك من الآيات الحاصرة حقّ الحكومة في اللّه سبحانه وحده لانحصار الولاية الحقيقيّة فيه.
ثمّ إنّ من لوازم القضاء كون الممارس له، مجانساً لمن يقضي فيهم، ولأجل ذلك نصب سبحانه أنبياءه [١] وأولياءه (عليهم السلام) قضاةً للنّاس يحكمون فيهم بما أنزل اللّه سبحانه ولايحيدون عنه قيد شعرة.
قال سبحانه: (ياداودُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بالحَقِّ ولاتَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبيلِ اللّهِ...)(ص ـ ٢٦). وقال سبحانه في حقّ نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَما أرسَلْنَا مِن رَسَول إلاّ لِيُطاعَ بإذْن ِاللّهِ وَلَو أنّهم إذْ ظَلَمُوا
[١]قال تعالى: (إنّا أنزَلْنا التّوراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يحكُمُ بها النّبيُّونَ الّذينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا والرّبّانيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء...)(المائدة ـ ٤٤).