بحوث في شرح العروة الوثقى - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٤
من ان أصل الانفعال بمرتبة من مراتبه كان مركوزا في أذهان الرواة، فكيف يفرض حصول هذا الارتكاز لدى عدد كبير من الرواة لبيانات غير جدية مع ان الغالب في بيانات من هذا القبيل ان تنصم إليها قرائن متصلة أو منفصلة توضح واقع الحال. وثالثا: انه لم يعلم ذهاب فقهاء العامة المعاصرين للصادقين عليهما السلام، إلى القول بانفعال ماء البئر مطلقا على النحو المشهور بين فقهائنا المتقدمين، فان السيد المرتضى - قدس سره - قد صرح في الانتصار: بأن مما انفردت به الامامية، القول بأن ماء البئر ينجس بما يقع فيها من النجاسة، ويطهر عندنا ماؤها بنزح بعضه، وهذا ليس بقول لاحد من الفقهاء، لان من لم يراع في الماء حدا إذا بلغ إليه لم ينجس بما يحله من النجاسات - وهو أبو حنيفة - لا يفصل في هذا الحكم بين البئر وغيرها، كما فصلت الامامية، ومن راعى حدا في الماء إذا بلغه لم يقبل النجاسة - وهو الشافعي - لم يفصل بين البئر وغيرها. ونقل صاحب كتاب الفقه على المذاهب الاربعة [١]: أن المالكية قالوا: إذا مات في البئر حيوان بري ذو دم سائل، ولم تتغير البئر فلا ينجس، ويندب أن ينزح منها بقدر ما تطيب به النفس، ولا يحد ذلك بمقدار معين. وهكذا يظهر: أن الحكم بانفعال ماء البئر مطلقا بمجرد الملاقاة، ليس مما اتفقت عليه كلمة فقهاء العامة. الوجه الرابع أن يقال: باستحكام التعارض والتساقط بسبب عدم المرجح العلاجي. وحينئذ يرجع اما إلى العمومات الفوقية الدالة على اعتصام طبيعي الماء، أو إلى اصالة الطهارة بعد الملاقاة مع النجاسة ونحوها من الاصول، على فرض عدم وجود العمومات الفوقية، ونتيجة ذلك هو
[١] ص ٧ من الجزء الاول.