منتخب الأنوار المضيئة في ذكر القائم الحجة(ع) - النيلي النجفي، السيد بهاء الدين - الصفحة ١٠٦ - و أمّا والدته
تضرّم [١] الهواجر [٢]، و توقّد السّماء؛ فلمّا وصلت إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) و استنشقت روائح تربته، المغمورة [٣] من الرّحمة، المحفوفة بحدائق الغفران، بكيت [٤] عليها بعبرات [٥] متقاطرة و زفرات متتابعة، و قد حجب الدّمع طرفي عن النّظر؛ فلمّا رقأت العبرة و انقطع النّحيب [٦]، فتحت بصري و إذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، و تقوّس منكباه، و ثفنت جبهته و راحتاه، و هو يقول لآخر معه: يا ابن أخ لقد نال عمّك شرفا بما حمّله السّيّدان من غوامض الغيوب و شرائف العلوم، الّتي لم يحمل مثلها إلّا سلمان، و قد أشرفت على استكمال المدّة و انقضاء العمر، و لست أجد في أهل الولاية من يفضى إليه بسرّ.
قلت: يا نفس لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ و الحافر في طلب العلم، و قد قرعت سمعي من الشّيخ لفظة تدلّ على حال جسيم، و أمر عظيم.
فقلت: أيّها الشّيخ! و من السّيّدان؟
قال: البحران [٧] المغيّبان في الثّرى بسرّمنرأى.
قلت: فإنّي أقسم بالموالاة و شرف محلّ هذين السّيّدين من الإمامة و الوراثة، أنّي خاطب علمهما و طالب آثارهما، و باذل من نفسي الأيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما.
[١]- «يضرم» أ.
ضرمت النّار و تضرّمت و اضطرمت: اشتعلت و التهبت. «لسان العرب: ١٢/ ٣٥٤- ضرم-».
[٢]- الهجر و الهاجرة: نصف النّهار عند اشتداد الحرّ. «الصّحاح ٢/ ٨٥١- هجر-».
[٣]- «المعمورة» أ.
[٤]- «أكببت» كمال الدّين.
[٥]- «بعبائر» أ.
[٦]- النّحب و النّحيب: رفع الصّوت بالبكاء. «لسان العرب: ١/ ٧٤٩- نحب-».
[٧]- «النّجمان» كمال الدّين.