بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨٠ - المقدمة الثالثة و هي أنّه لا يجوز إهمال التكاليف الواقعية
و إنّما هو إعطاء الخيار للمكلف بأن يختار بنفسه أيّ واحد منهما، و هذا لم يثبت بأيّ وجه بطلانه أو قبحه حتى يقال: إنّ هذا ترجيح للمرجوح على الراجح.
إذاً، لو بقينا نحن و الوجه الأول و الثاني فقط لما انتهت النوبة إلى المقدمة الخامسة، لكي تقتضي النتيجة التي عرفتها، بخلافه على الوجه الثالث، أي العلم الإجمالي، إذ لو بنينا عليه فهو يؤدّي إلى لزوم الاحتياط في تمام الأطراف، و حيث لا يجب الاحتياط في تمام الأطراف، لأنّ المولى أشفق من أن يحكم بلزوم الاحتياط في تمام الأطراف، إذاً فيقال: بأنّ هذا القدر المتيقن رفع اليد عنه من قاعدة الاحتياط التي يقتضيها العلم الإجمالي، إنّما هو في الموهومات، أو هي مع المشكوكات مثلًا، و أمّا في غير ذلك فلا موجب لذلك كما ستعرف.
و بهذا يتضح أنّ الوجه الأول و الثاني ليسا موجبين لانحلال العلم الإجمالي في المقام، بل هما في أنفسهما لا ينتجان و لا يوصلان إلى نتيجة.
و خلاصة الملاحظة الأولى على العراقي (قده) هي أن يقال: إنّ الوجهين الأول و الثاني حتى لو تمّا فإنّهما لا يحلان العلم الإجمالي لأنّ غاية ما يقتضيانه هو عدم جواز اقتحام تمام الشبهات، لأنّه باقتحام تمامها خروج عن الدين، و هو مخالف للإجماع، و أمّا اقتحام بعضها و ترك بعضها الآخر فإنّه ليس فيه محذور، و هذا يعني أنّ جل ما يترتب على تمامية هذين الوجهين لو تمّا هو حرمة المخالفة القطعية لتمام الشبهات التي يقتضيها العلم الإجمالي أيضاً الذي هو الوجه الثالث، و هذا لا يعقل أن يوجب انحلال العلم الإجمالي كما عرفت، إذ يتوقف حلّهما للعلم الإجمالي على قيام منجز تعييني في بعض أطرافه، بينما الوجه الأول و الثاني لا يقتضيان ذلك كما عرفت.