بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٢١ - دلالة الدليل العقلي على حجية خبر الواحد
شكلنا علماً إجمالياً يقتضي العمل بالعمومات و المطلقات المثبتة للتكليف، وعليه، يكون محل الكلام في موارد العلمين الإجماليين اللذين بينهما طرف مشترك، فيتزاحمان فيه، إذ عندنا حينئذٍ علم إجمالي بصدور عشر روايات من هذه المائة و منها هذه الرواية المثبتة للوجوب هنا، كذلك هنا عندنا علم إجمالي بأنّ غير ما يعلم بورود المخصص عليه بأخبار الآحاد من العمومات حجة ظاهراً، و أحد أطراف هذا العلم الإجمالي (العموم) الدال على التحريم في هذا المورد، و ذلك لاحتمال كونه من الموارد التي لم يطرأ عليها تخصيص، فيتزاحمان في مقام التنجيز، لاستحالة تنجيزهما لهذا المورد معاً، و حينئذٍ قد يقال: بأن نسبته إليهما على حد واحد، فلا موجب حينئذٍ لتأثير أحدهما بخصوصه في تنجيزه، و يكون المكلف حينئذٍ مخيراً في العمل بأيّهما شاء.
و قد يقال: بتقديم العلم الإجمالي العموماتي على العلم الإجمالي الرواياتي، فتنجز الحرمة حينئذٍ، و ذلك لأنّ عدد المعلوم بالإجمال في الأول، أكثر منه بكثير في الثاني، لأنّ الثاني معلومه صدور بعض الروايات حيث لا يحتمل كذب الجميع، و من الواضح أنّ نسبة ما يعلم صدوره إلى ما لا يعلم صدوره ضئيل جداً عادة.
و أمّا الأول: فالعمومات المعلومة إجمالًا هي غير موارد معلوم الصدور من الأخبار، و هذا يعني غير تلك الموارد العشرة المعلومة الصدور من الأخبار، إذاً، عدد المعلوم بالإجمال في الأول أكثر منه في الثاني، و كلّما كان العدد أكثر مع فرض التساوي في أطراف العلمين الإجماليين لا محالة يكون احتمال الانطباق فيه أقوى، فمثلًا: لو علمنا بنجاسة عشر إناءات في مائة إناء هنا، و علمنا بنجاسة تسعين إناء في مائة هناك، يصبح احتمال النجاسة في المثال الثاني أقوى منه