بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٥ - المقدمة الثالثة و هي أنّه لا يجوز إهمال التكاليف الواقعية
لم يكن قد جعل منجزاً في بعض الأطراف- و فرضنا أنّنا قطعنا النظر عن العلم الإجمالي، و حصرنا أنفسنا في الوجهين الأول و الثاني-، إذاً فلما ذا يقوم إجماع، و تقوم ضرورة دين على أنّه لا يجوز إجراء البراءة؟ مع أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تكون نافذة المفعول حتماً، لأنّ هذه القاعدة لا يمكن أن يرتفع موضوعها إلّا أن يصدر بيان من الشارع و لو التنجيز و جعل الحجيّة و نحو ذلك من الألسنة، أمّا مع فرض عدم صدور منجز من الشارع، و عدم العلم الإجمالي، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان نافذة المفعول، و لا يعقل قيام إجماع على مخالفة قاعدة عقليّة نافذة المفعول.
إذاً فنحن إذا آمنّا حقاً بأنّ الإجماع و ضرورة الدين قائم على أنّه لا يجوز إجراء البراءة حتّى لو قطع النظر عن العلم الإجمالي، حينئذ، يكشف هذا إناً على أنّ الشارع قد رفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان من غير ناحية العلم الإجمالي، أي إنّه جعل منجزاً في البين ينجز بعض هذه التكاليف.
و هذا المنجز الذي نستكشفه بهذا البيان، يكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي، لأنّه منجز في بعض أطراف العلم الإجمالي، إذ لا نحتمل أنّ الشارع ينجز تمام أطراف العلم الإجمالي و يوقعنا في العسر و الحرج، بل إنّ المنجز الذي جعله، إنّما يكون في بعض أطراف العلم الإجمالي، حينئذ، هذا العلم الإجمالي الذي يراد التمسك به في الوجه، يكون قد ابتلى بمنجز شرعي في بعض أطرافه، فيدخل تحت كبرى تقول: (إن كل علم إجمالي بالتكليف إذا وقع بعض أطرافه مورداً لمنجز شرعي من غير ناحية هذا العلم الإجمالي، حينئذ، ينحل هذا العلم الإجمالي)، حينئذ لا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجزاً، لأنّ بعض أطرافه تنجزت بغيره، فيسقط عن المنجزيّة، لأنّ المنجز لا ينجز ثانية كما ستعرف إن شاء الله في بحث تلك الكبرى.