بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٣ - المقدمة الثالثة و هي أنّه لا يجوز إهمال التكاليف الواقعية
عندهم في الشبهات في حال الانفتاح، إذ إنّهم لم يعيشوا الانسداد و لم يعنونوه في كلماتهم حتى ينعقد على ذلك إجماع.
و لكن لا ينبغي الإشكال، بملاحظة ما ذكر في الوجه الثاني من صحة دعوى القطع الضروري، بأنّ علمائنا لم يكن من مذاقهم السماح بإجراء البراءة في جميع الشبهات، إذ إنّ هذا واضح منهم بلا حاجة إلى مراجعة كلماتهم و مسائلهم المعنونة في كتبهم، هذا مع العلم، بأنّ الإجماع كما قرّر يكون في طول وضوح صحة القضية الجمع عليها في نفسها شرعاً، إذاً، فلا يمكن أن يكون الإجماع مدرك صحتها، إذاً، فيرجع الوجه الأول إلى الثاني.
و هناك محاولة لإرجاع الثاني إلى الثالث، و ذلك بدعوى أنّه لو لا القطع بثبوت تكاليف إجمالًا، لم يكن هناك وجه لعدم إجراء البراءة في الشبهات، لأنّه لو احتمل حقاً عدم التكليف أصلًا، فكيف يفترض أنّ مذاق الشارع يمنع من جريانها؟
و لكن الصحيح، عدم رجوع الثاني إلى الثالث، و ذلك لأنّ الوجهين كلاهما مفتقر إلى أصل فرض علم بالتكليف و لو إجمالًا، إلّا أنّ الوجه الثالث يجعل منجزية العلم مانعاً عن جريان الأصول، و موجباً لتساقطها.
بينما الوجه الثاني لا ينبني على ذلك، إذ حتى لو بني على أنّ الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي في نفسه جائز، و أنّه لا مانع من التمسك بإطلاق أدلة الأصول فيها، إلّا أنّه في خصوص هذا العلم الإجمالي لا يجوز ذلك لكونه إجمالًا في أصل الشريعة، و حينئذٍ يكون إجراء الأصول المرخصة في تمام الأطراف تفويتاً لأصل الشريعة و معظم الفقه، و مثل هذا ممّا يقطع بعدم رضا الشارع به، كما أنّ إجراء البراءة في بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح، فتتساقط الأصول.