بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٨ - الاستدلال بآية الذكر
و بهذا يمكن ان يستدل بالآية على حجيّة قول الفقيه للعامي، لأنّ أهل الذكر بالنسبة للعوام هم المجتهدون، كما أنّه يستدل بالآية على حجيّة قول الراوي بالنسبة للفقيه، لأنّ الراوي من أهل الذكر بالنسبة إليه.
إلّا أنّ هذا الاستدلال غير تام من عدّة جهات.
الجهة الأولى: هو ما أشرنا إليه سابقاً، من أنّ وجوب السؤال لا يلزم منه وجوب القبول على الإطلاق، و إن كان لعلّه لا يجب القبول إلّا مع إفادة الجواب للعلم كما عرفت.
الجهة الثانية: هي أنّ سياق الآية لا يُبقي مجالًا للشك في أنّها واردة في مقام المخاصمة مع أولئك الذين تنكّروا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بدعوى أنّه إنسان حاله كحال غيره، فلا يمكن أن يكون نبياً، فهذه الشبهة يناقشها القرآن في سياق هذه الآية، فيؤكد على أنّ الأنبياء السابقين كانوا كالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فالله تعالى حينما يريد هداية قوم، فإنّه لا يرسل إليهم شخصاً من غير جنسهم كما كان يتمنى الجاهليون بأن يرسل إليهم ملكاً رسولًا، و لا أقل من أحد رجلين من القريتين عظيم، فأخبرهم الله تعالى، أنّ العادة جرت أن يرسل إليهم شخصاً مثلهم يأكل و يشرب و يمشي في الأسواق و ينكح النساء، و هكذا جرت العادة في الأمم السابقة.
و حيث إنّ القوم الذين نزل فيهم القرآن قوم جاهليون، فأحالهم على أهل الذكر، أي أهل الديانات السابقة، فسنّة الله تعالى أن يجعل القدوة للبشر من البشر أنفسهم، و بهذه الإحالة سوف يعرفوا أنّ حال الأنبياء السابقين كحال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
فالآية ليست في مقام جعل الحجيّة للخبر، بل في مقام المخاصمة مع أعداء الدين.