الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٨٥ - ٢٩ المتن
هجر [١]، قال: كنت ملازما و مواظبا على استماع مراثي الحسين (عليه السلام) و التردّد على المآتم ليلا و نهارا، و لا يشغلني شاغل و لا يمنعني عنها مانع. فبينما أنا ذات ليلة جالس في مجلس الاستماع- و كانت ليلة التاسعة من المحرم- و قد بكيت بكاء شديدا على ما جرى على الحسين (عليه السلام) و على أولاده و على أصحابه و على نسائه و بناته، من التعطيش و التسليب و الذبح و تشريح اللحم و قطع الأيدي و تقطيع الأوصال و تعليق الرءوس على الرماح و سبي البنات و ضرب الأمهات.
فتعبت من كثرة البكاء، فقمت من مقامي و جلست ناحية من المأتم و أنا حزين كئيب. فأخذني النوم، فرأيت طيفا عظيما، فكأني في بستان عظيم كالجنة، و فيها من أنواع الأشجار و الأثمار و الطيور على أغصانها تغرد؛ و تغريدها كأنها نياحة الثواكل، و هي تتجاوب و تردّد التغريد و تبكي.
فقلت: سبحان اللّه! هذه الطيور الحسنة ممّ شجاؤها، على أيّ شيء بكاؤها؟ و هي في مثل هذه الألوان على هذه الأغصان تبكي و تنوح و تأنّ، و هي لابسة ملابس الحداد، متردّية بأردية السواد، و لا يكون اجتماعها و ندبها إلا على مولاي الحسين (عليه السلام).
فبينما أنا واقف أستمع سجع الأطيار و قد ذهب لبّي و جدّدت عليّ أحزاني و مصيبتي، و إذا أنا أسمع بكاء و نحيبا وشيجا مختلفا عاليا و استغاثة عظيمة و صوتا من بين تلك الأطيار جهرا، كادت أضلاعي أن تنطبق على أمعائي حين سمعته. فقلت في نفسي: لا شك أن البستان من بساتين الجنة، و قد سمعنا أن الجنة لا يكون فيها نصب و لا همّ و لا غمّ و لا حزن و لا بكاء و لا غير ذلك من هموم الدنيا. فيا ليتني عرفت هذا البكاء و على من! و يا ليتني عرفت هذا الباكي.
ثم إني مشيت خطوات من غير قصد لا علم بالباكي من أيّ جهة؟ فطلبت الصوت يمينا و شمالا، و إذا أنا بغدير ماء لا يرى ساحله؛ و ذلك الغدير كأن ماءه بطون الحيّات، و على حافته امرأة كأنها الشمس الطالعة، و في يدها ثوب أبيض صافي البياض، و في ذلك
[١] «هجر»- محركة- بلد باليمن، و اسم لجميع أرض البحرين.