المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٦٣ - ٩- المقدمة العبادية
الغيري- حسبما فرضناه- إنما يتعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادة، لا بأصل الوضوء بما هو. فلم تنشأ عباديته من الأمر الغيري حتى يقال إن عباديته لا تلائم توصلية الأمر الغيري، بل عباديته لا بد أن تكون مفروضة التحقق قبل فرض تعلق الأمر الغيري.
و من هنا يصح استحقاق الثواب عليه لأنه عبادة في نفسه.
*** و لكن ينشأ من هذا البيان إشكال آخر، و هو: أنه إذا كانت عبادية الطهارات غير ناشئة من الأمر الغيري، فما هو الأمر المصحح لعباديتها، و المعروف: إنه لا يصح فرض العبادة عبادة إلا بتعلق أمر بها ليمكن قصد امتثاله، لأن قصد امتثال الأمر هو المقوم لعبادة العبادة عندهم. و ليس لها في الواقع إلا الأمر الغيري. فرجع الأمر بالأخير إلى الغيري لتصحيح عباديتها.
على أنه يستحيل أن يكون الأمر الغيري هو المصحح لعباديتها، لتوقف عباديتها- حينئذ- على سبق الأمر الغيري، و المفروض: أن الأمر الغيري متأخر عن فرض عباديتها لأنه إنما تعلق بها بما هي عبادة، فيلزم تقدم المتأخر و تأخر المتقدم، و هو خلف محال، أو دور على ما قيل (١).
و قد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة.
و أحسنها- فيما أرى بناء على ثبوت الأمر الغيري أي: وجوب مقدمة الواجب
(١) و بعبارة أخرى: قلنا: بأن الأمر الغيري يتعلق بالوضوء العبادي، و هذا يقتضي أن نفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلق الأمير الغيري به، و ذلك لأنّه موضوع له، و الموضع متقدم على أمره، و عليه:
فعبادية الوضوء لم تنشأ من الأمر الغيري، و إنّما فرضناها في رتبة سابقة، و الأمر الغيري يبقى على توصليته، و يصح استحقاق الثّواب على الوضوء الذي هو عبادة، فمن هذا البيان ينشأ إشكالان:
الأوّل: نقول ما هو المصحح لعبادية الوضوء؟ المعروف: إن الوضوء لا يصح فرضه عبادة إلا بتعلق الأمر به ليمكن قصد الأمر و امتثاله؛ لأنّ قصد الامتثال هو المقوم للعبادة و حيث لا أمر متعلق بالوضوء إلا الأمر الغيري فهذا يعني: أن عباديته نشأت من الأمر الغيري الذي يقصد امتثاله في المقام.
الثّاني: نقول: فرض كون الأمر الغيري هو المصحح لعبادية الوضوء يلزم منه الخلف المحال.
و في بيان الخلف نقول: نحن فرضنا أن الأمر الغيري إنّما تعلق بالوضوء بما هو عبادة، و هذا معناه: أن عباديته متحققة قبل تعلق الأمر به، فافتراض كون عباديته ناشئة من الأمر الغيري خلف بل قيل دور.
و بيان الدور هو كالتالي: عبادية الوضوء متوقفة على الأمر الغيري، و الأمر الغيري متوقف على كون الوضوء عبادة فيلزم الدور و هو توقف الشيء على نفسه.