المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٥٨ - ١- معنى صيغة الأمر
عليه المدلول التصوري و المدلول التصديقي للصيغة؛ و ذلك للفرق بين المدلولين لأن الأول هو المعنى الموضوع له اللفظ، بينما الثاني هو عبارة عن المدلول الجدي، فإن صيغة الأمر هي هيئة من الهيئات، فلا بدّ أن يكون معناه معنى حرفيا، و المعاني الحرفية عبارة عن النسب و هي معاني حرفية، فيكون مدلولها التصوري نسبة و هذه النسبة هي التي نسميها بالنسبة الطلبية أو الإرسالية، و يوازي هذه النسبة: مفهوم الطلب و الإرسال لا أن الصيغة أساسا موضوعة لمفهوم الطلب و الإرسال. إذا: الصيغة موضوعة لنسبة موازية لمفهوم الطلب- كما ذكر السيد الصدر (قدس سره)- بأن «إلى» موضوعة «للانتهاء» بالمعنى الحرفي لا للمعنى الاسمي و إنما يوازيها. و المقصود من النسبة الطلبية: هي العلقة القائمة ما بين المطلوب و المطلوب منه؛ كما إذا قال المولى: «صلّ» فالمولى أوجد علاقة بين «الصلاة» و «زيد» على أن «الصلاة» لا بدّ أن يؤتى بها في الخارج. فكما أن لصيغة «افعل» مدلول تصوري أيضا لها مدلول تصديقي؛ لأن كل جملة تامة لا بدّ أن يكون لها مدلول تصديقي و هو عبارة عن الداعي لإنشاء هذا الكلام. فبقوله «عزّ و جل»: «صلّ»- فإنه «عزّ و جل» أوجد علقة بين «زيد» و بين «الصلاة» ما هو الداعي لها؟
نقول: الداعي هنا هو الطلب، إلا أنه قد تكون لله «عزّ و جل» دواعي أخرى مثل: التعجيز أو التهديد ... فمثلا: قوله تعالى: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً، فإن المعنى الموضوع له هي النسبة الطلبية القائمة بين المطلوب و المطلوب منه؛ و لكن الداعي لإيجاد هذه النسبة هو التعجيز؛ لأنه «عزّ و جل» يعلم إنهم غير قادرين على ذلك.
الخلاصة: صيغة الأمر تستعمل في إنشاء الطلب و لم تستعمل في أي معنى من تلك المعاني- من التعجيز و التهديد و التمني و غيره- و لكن الداعي للإنشاء هي تلك المعاني، إذ الداعي إلى الإنشاء تارة:
يكون هو البعث و التحريك نحو المطلوب الواقعي، و هو الذي ينصرف إليه إطلاق الصيغة نحو قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ ....
- و تارة أخرى: يكون أحد الأمور المتقدمة أعلاه، فينشأ الطلب بداعي الترجي أو التمني أو غيرها من المعاني المتقدمة، و عليه: فالصيغة لم تستعمل إلا في معنى واحد و هو إنشاء الطلب، و تلك المعاني دواع للإنشاء، و أجنبية عن مدلول الصيغة، فلا تستعمل الصيغة في التهديد أو التعجيز أو التمني أو الترجي أو غيرها أصلا على نحو الحقيقة، بمعنى: إن الصيغة لم تستعمل إلا في إنشاء الطلب، فهي حقيقة فيه سواء كان الداعي إلى هذا الإنشاء هو البعث أم التهديد أم غيرهما، إذا: صيغة الأمر وضعت لإنشاء الطلب، فإذا كان بداعي البعث و التحريك يكون هذا الاستعمال على وجه الحقيقة، و إذا استعملت بداعي التمني و الترجي و التهديد و بسائر الدواعي الأخرى يكون على وجه المجاز.
و على كل حال: صيغة الأمر مستعملة في إنشاء الطلب، و هذا الاستعمال إذا كان بداعي البعث و التحريك نحو المطلوب الواقعي يكون استعمالا حقيقيا، و مجازا إذا كان بداعي آخر.
و بهذا يسقط اختلاف العلماء في أن صيغة الأمر هل هي حقيقة في الطلب، أو في الوجوب أو في الندب؟ لما تقدم من: أن مفاد صيغة الأمر هو البعث و التحريك نحو المبعوث إليه.