المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٣ - استعمال اللفظ في أكثر من معنى (١)
غير الامتناع العقلي سيظهر لك عدم صحتها.
الدليل الأول: ذكر صاحب المعالم- في وجه المنع عن استعمال اللفظ في أكثر من معنى- أن اللفظ وضع للمعنى مقيدا بالوحدة، فاستعماله في أكثر من معنى يكون استعمالا مجازيا بسبب إلغاء قيد الوحدة.
و جواب هذا الدليل: إنه لا يوجد دليل على اعتبار قيد الوحدة في المعنى الموضوع له اللفظ. بل يوجد هناك محذور لتقييد المعنى بقيد الوحدة، و هو ما تقدم من امتناع دخل اللحاظ الناشئ من الاستعمال في الموضوع له.
الدليل الثاني: ذكر صاحب القوانين: أن وجه المنع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى هو: أن الوضع حصل في حال وحدة المعنى، و لما كانت اللغات توقيفية لزم الحفاظ عند الاستعمال على جميع ما اعتبر في الوضع حتى الظرف و الحال التي حصل فيها الوضع، فيثبت حينئذ: عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى لما ذكرنا.
جواب هذا الدليل: إن الحال التي حصل فيها الوضع و إن كانت هي وحدة المعنى؛ إلا إن ذلك لا يستلزم عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى؛ ما لم يكن الحال و القيد دخيلا في الوضع أو المعنى الموضوع له، و لا يمكن إثبات كون قيد الوحدة كذلك، أما عدم كونه دخيلا في الوضع: فلأنه يستلزم الدور، و ذلك لأنه لو جعل استعمال اللفظ في المعنى المقيد بالوحدة دخيلا في الوضع للزم توقف الوضع على الاستعمال في المعنى كذلك، مع أن المفروض: هو العكس أي: توقف الاستعمال على الوضع. و أما عدم كونه دخيلا في المعنى الموضوع له: فلما ذكرنا سابقا في جواب الدليل الأول فراجع. هذا و يلزم أيضا وجوب مراعاة سائر الحالات المقارنة للوضع؛ كوقوعه في الليل أو النهار، و في الصيف أو الشتاء، و لا خصوصية لقيد الوحدة المقارن للوضع.
رأي صاحب المعالم في التفصيل بين المفرد و المثنى و الجمع: قد تقدم أننا نمنع استعمال اللفظ في أكثر من معنى مطلقا، و نقصد بالإطلاق هو: إننا لا نفرق بين حالة في المنع عن استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فلا فرق بين المفرد و المثنى و الجمع. فكما لا يجوز أن نقول: «جئني بعين» و نريد منها الناظرة و النابعة إلخ ... كذلك لا يجوز أن نقول: «جئني بعين» و تريد الناظرة و النابعة» ... الخ، و كذلك لا يجوز أن نقول: «جئني بعيون و تريد بالجمع هو الناظرة و النابعة و الركبة مثلا» ... الخ. و عللنا ذلك بما حاصله: إن علامة التثنية، و علامة الجمع، لا تدل إلّا على مجرد تكرار ما أريد من المفرد، فكما لا يمكن استعمال المفرد في أكثر من معنى لو كان مجردا عن أداة التثنية و الجمع، كذلك لا يجوز فيه ذلك مع اقترانه بأحدهما و دليلنا في المنع واحد، و هو الامتناع العقلي، و لكن نقول: لو تنزلنا عن الامتناع العقلي الناشئ من اجتماع اللحاظين المتضادين في استعمال واحد، و قلنا بإمكان الاستعمال في أكثر من معنى، نقول: لا وجه لتفصيل صاحب المعالم الذي ادّعى الجواز على نحو الحقيقة في المثنى، و الجمع، و الجواز على نحو المجاز في المفرد.
دليل صاحب المعالم في التفصيل: قد تقدم أن صاحب المعالم يرى أن الألفاظ وضعت لمعانيها بقيد الوحدة، فعند ما نستعمل اللفظ المفرد في أكثر من معنى يكون استعمالا مجازيا و في غير ما وضع له،