المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩١ - ١٣- الترادف و الاشتراك (١)
و لكن ينبغي أن نتكلم في نشأتهما، فإنه يجوز أن يكونا من وضع واضع واحد بأن يضع شخص واحد لفظين لمعنى واحد أو لفظا لمعنيين، و يجوز أن يكونا من وضع واضعين متعددين، فتضع قبيلة- مثلا- لفظا لمعنى و قبيلة أخرى لفظا آخر
أما التطويل بلا طائل: فلأننا نمنع تحققه عند استعمال المشترك و نصب القرينة. فضلا عن أن الكلام مع الحبيب يقتضي التطويل فلا يكون بلا طائل.
و إما الإخلال بالغرض: فلأنه لا يلزم منه الإجمال، و ذلك لما قلنا: من أنه يمكن تعلّق الغرض بإيراد اللفظ مجملا، فيكون لائقا به سبحانه، كيف؟ و قد صرّح سبحانه و تعالى في القرآن الكريم بوجود المتشابه فيه، و هو المجمل المعنى، فقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ إن وقوع الشيء أول دليل على إمكانه.
دليل من قال بلزوم الاشتراك: و هو يتركب من مقدمتين:
الأولى: إن الألفاظ متناهية لتركبها من الحروف الهجائية المتناهية، و المركب من المتناهي متناهي.
الثانية: إن المعاني غير متناهية، و من المعلوم: إن المتناهي لا يفنى بغير المتناهي، فلا بدّ من وضع اللفظ لعدة معاني و الاشتراك اللفظي لنفي الألفاظ بالمعاني.
جواب دليل اللزوم: بأربعة أوجه: الأول: أنا نمنع عدم تناهي المعاني، و ذلك لأنه لو كانت المعاني غير متناهية لاقتضت وضعا غير متناهي، مع أن الوضع متناهي فلا بدّ من أن تكون المعاني أيضا متناهية، فلا حاجة إلى الاشتراك اللفظي.
الثاني: أنا لو سلّمنا إمكان الاشتراك في المعانى الغير متناهية، و وضع اللفظ لها بوجه لكن نقول: إن هذا غير ممكن أيضا لمحذور لأنا نقول: إن الواضع إما أن يدعى أنه هو الله «سبحانه و تعالى». و هو قادر على الإحاطة بغير المتناهي فيضع الألفاظ للمعاني الغير متناهية، لكن نقول: إن استعمالات البشر للألفاظ متناهية أيضا، فلا بدّ من أن تكون المعاني التي يستعمل البشر فيها الألفاظ متناهية فيكون الوضع الزائد عن حاجة البشر لغوا، و هو محال على الله تعالى. و إما أن يدعى أن الواضع هو غير الله فنقول أيضا: هنا يلزم محذور و هو انتفاء الغرض من وضع الألفاظ المخالف لحكمة الوضع. فلا فائدة من وضع الألفاظ لمعاني لا يحتاج البشر لتفهمها و تفهيمها.
الثالث: إن المعاني الغير متناهية هي المعاني الجزئية، و يمكن الاستغناء عن الوضع للمعاني الجزئية بالوضع للمعاني الكلية، فلا داعي للاشتراك اللفظي ما دام يمكن الاشتراك المعنوي.
الرابع: إن باب التفهيم و التفهم ليس منحصرا بالاستعمال الحقيقي، بل يمكن الإفهام بالاستعمال المجازي؛ لأن باب المجاز واسع، فلا داعي للاشتراك و تكرر الوضع [١].
[١] المصادر: ١- تقريراتي لدرس الكفاية لفضيلة الشيخ باقر الإيرواني. (بتصرف).
٢- محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ١٩٨- ٢٠٢.
٣- منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ١٦٩- ١٧٦.