المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٧ - (الأولى- التبادر)
الحالية أو المقالية (١). فإذا علم أن الدلالة مستمدة إلى نفس اللفظ من غير اعتماد على قرينة فإنه يثبت أنها (٢) من جهة العلقة (٣) الوضعية.
و هذا هو المراد بقولهم: «التبادر علامة الحقيقة». و المقصود من كلمة التبادر هو:
انسباق المعنى من نفس اللفظ مجردا عن كل قرينة.
و قد يعترض على ذلك: بأن التبادر لا بدّ له من سبب، و ليس هو إلا العلم بالوضع، لأن من الواضح: إن الانسباق لا يحصل من اللفظ إلى معناه في أية لغة لغير العالم بتلك اللغة، فيتوقف التبادر على العلم بالوضع. فلو أردنا إثبات الحقيقة و تحصيل العلم بالوضع بسبب التبادر- لزم الدور المحال (٤)- فلا يعقل- على هذا- أن
معنى الحيوان المفترس و يكثر ذلك، حينئذ: سوف يحصل في ذهنك علم إجمالي بأن الحيوان المفترس معنى للفظ الأسد، و لا تعلم تفصيلا بأنه موضوع له، ثم إذا التفتّ إلى ذلك، و رأيت أن معنى الحيوان المفترس هو المعنى المتبادر من لفظ الأسد فسوف تعلم أنه موضوع له تفصيلا لأن التبادر علامة الحقيقة. إذا: المراد من العلم الإجمالي هنا: هو العلم غير الملتفت إليه لا العلم الإجمالي في الاصطلاح الأصولي، و التبادر مهمته أن يخرج هذا المعلوم من منطقة اللاشعور إلى منطقة الشعور بجعله ملتفتا إليه بعد أن كان مغفولا، و جعله معلوما تفصيلا بعد أن كان معلوما إجمالا.
(١) أي: اللفظ يكون دالا على المعنى بسبب قرينة مقالية أو حالية.
(٢) يثبت أن دلالة اللفظ على المعنى.
(٣) أي: العلم بوضع هذا اللفظ لهذا المعنى.
(٤) اعترض على أن التبادر علامة على الحقيقة مستحيل، و ذلك للزوم الدور.
و بيانه ما يلي: إن التبادر الحاصل من كلمة «الأسد» إلى «الحيوان المفترس» لا بدّ له من سبب، و ليس هو إلا العلم بالوضع أي: العلم بوضع لفظ «الأسد» إلى «الحيوان المفترس»، فإذا علم أن كلمة «الأسد» موضوعة «للحيوان المفترس» حينئذ: يحصل للسامع التبادر إلى «الحيوان المفترس» عند استماعه للفظ «الأسد».
- أما إذا لا نعلم بالوضع لا يحصل التبادر كما لو سمع الإنجليزي الذي يجهل اللغة العربية لفظة «الأسد» لا يتبادر إلى ذهنه معنى «الحيوان المفترس».
إذا: التبادر موقوف على العلم بالوضع، و العلم بالوضع موقوف على التبادر حسب الفرض، و هذا يلزم منه الدور المحال. لأن كل منهما متوقف على الآخر. و على هذا لا يعقل أن يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع، و المفروض: أنه موقوف عليه.
- و أجيب على محذور الدور: بأن التبادر يتوقف على العلم الإجمالي الارتكازي المغفول عنه، و العلم التفصيلي يتوقف على التبادر. و بيان العلم الإجمالي الارتكازي المغفول عنه هو: أنك عند ما تسمع جماعة يستعملون لفظ «الأسد» في معنى «الحيوان المفترس»، و يكثر ذلك حينئذ: سوف يحصل في