المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٧٧ - المبحث الثّاني- النهي عن المعاملة
فإن كان النهي على (النحو الأوّل) أي: عن ذات السبب فالمعروف إنه لا يدل على فساد المعاملة، إذ لم تثبت المنافاة لا عقلا و لا عرفا بين مبغوضية العقد و التسبيب به و بين إمضاء الشارع له بعد أن كان العقد مستوفيا لجميع الشروط المعتبرة فيه، بل ثبت خلافها كحرمة الظهار التي لم تناف ترتب الأثر عليه من الفراق.
و إن كان النهي على (النحو الثّاني) أي: عن المسبب: فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النهي في هذا القسم يقتضي الفساد.
و أقصى ما يمكن تعليل ذلك بما ذكره بعض أعاظم مشايخنا من: أن صحة كل معاملة مشروطة بأن يكون العاقد مسلطا على المعاملة في حكم الشارع، غير محجور عليه من قبله من التصرف في العين التي تجري عليها المعاملة. و نفس النهي عن المسبب يكون معجزا مولويا للمكلف عن الفعل و رافعا لسلطته عليه، فيختل به ذلك الشرط المعتبر في صحة المعاملة، فلا محالة يترتب على ذلك فسادها.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في بيان اقتضاء النهي عن المسبب لفساد المعاملة، و لكن التحقيق أن يقال:
أن استناد الفساد على النهي إنما يصح أن يفرض و يتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه موجودا حتى بشرائط المتعاقدين و شرائط العوضين، و أنه ليس في البين إلا المبغوضية الصرفة المستفادة من النهي. و حينئذ: يقع البحث في إن هذه المبغوضية هل تنافي صحة المعاملة أو لا تنافيها؟
أما إذا كان النهي دالا على اعتبار شيء في المتعاقدين و العوضين أو العقد، مثل:
النهي عن أن يبيع السفيه و المجنون و الصغير الدال على اعتبار العقل و البلوغ في البائع، و كالنهي عن بيع الخمر و الميتة و الآبق و نحوها الدال على اعتبار إباحة المبيع و التمكن من التصرف منه، و كالنهي عن العقد بغير العربية- مثلا- الدال على اعتبارها في العقد، فإن هذا النهي في كل ذلك لا شك في كونه دالا على فساد المعاملة؛ لأن هذا النهي في الحقيقة يرجع إلى القسم الأوّل الذي ذكرناه و هو ما كان النهي بداعي الإرشاد إلى اعتبار شيء في المعاملة، و قد تقدم إن هذا ليس موضع الكلام من منافاة نفس النهي بداعي الردع و الزجر لصحة المعاملة.
فالعمدة هو الكلام في هذه المنافاة و ليس من دليل عليها حتى تثبت الملازمة بين النهي و فساد المعاملة، و كون النهي عن المسبب يكون معجزا مولويا للمكلف عن