المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٥٨ - ١- (الدلالة)
و العبارة تكون أكثر استقامة لو عبر عن عنوان المسألة بما عبر به صاحب الكفاية (قدس سره) بقوله: (اقتضاء النهي الفساد) فأبدل كلمة الدلالة بكلمة الاقتضاء، و لكن نحن عبرنا بما جرت عليه عادة القدماء في عنوان المسألة متابعة لهم.
المتبادر من هذه اللفظة عند العرف.
ثانيها: المعنى المتوسّط بين هذا المعنى و المعنى الثالث الأخير، و المراد به: مطلق أبواب العقود و الإيقاعات، و هذا المعنى و المعنى الثالث اصطلاح فقهي.
ثالثها: ما عدا العبادات بالمعنى الأخصّ، فيطلق حتّى على أبواب الأحكام، كإحياء الموات و الصيد و الذباحة و المواريث و الحدود و الديات و القضاء و الشهادات، فيقابلون العبادات بالمعاملات، و يقسّمون الفقه إلى قسمين: العبادات و المعاملات، و من اصطلح إرادة المعنى المتوسّط قسّم الفقه إلى ثلاثة أقسام:
العبادات و المعاملات و الأحكام.
و المراد من هذه الكلمة هاهنا في العنوان: هو المعنى الأوّل أو الثاني؛ إذ من الواضح المعلوم: عدم تأثير النهي في الفساد بالنسبة إلى الأحكام. مثلا: لو نهى الوالد عن إحياء أرض فبناء على وجوب إطاعة الوالد شرعا في أمثال هذه النواهي الصادرة منه يكون الإحياء منهيا عنه، و مع ذلك لو خالف و فعل يؤثر أثره؛ و هكذا الأمر لو حلف على ترك إحياء أرض ثمّ خالف و حنث حلفه و أحياها.
و أما ما هو المراد من الصحة و الفساد هنا؟ نقول: المراد بالصحة و الفساد ترتب الأثر المطلوب من الشيء و عدم ترتّبه، و الصحيح هو الذي يترتب عليه الأثر، و الفاسد في قباله ما لا يترتّب عليه مع قابليته له.
و هذه القابلية مأخوذة في مفهوم الفاسد» [١].
صاحب الكفاية في بيان المراد من المعاملة قال: المراد من المعاملة: هي ما ليست بعبادة لكن بشرط أن تكون قابلة للاتصاف بالصحة و الفساد مثل البيع هو معاملة بالمعنى الأعم، و هو قابل للاتصاف بالصحة و الفساد فيكون صحيحا و يترتب عليه الأثر بأن يكون جميع أجزائه و شرائطه متوفرة. فيترتب الأثر المقصود من البيع و هو الملكية و النقل و الانتقال، و قد يتصف أن يكون فاسدا و لا يترتب عليه الأثر المقصود، بأن يكون فاقدا لجزء أو شرط؛ كأن يكون العقد مع الصبي فلا يترتب الأثر المقصود في هذه الحالة فيكون البيع فاسدا. كذلك الصلاة حيث أنها قد تكون صحيحة، و قد تكون فاسدة، و الضابط في ذلك كون النهي مركبا ذا أجزاء.
إذا: الذي له قابلية الصحة و الفساد يدخل في محل الكلام. و أما الذي ليس له قابلية الصحة و الفساد لا يدخل في محل الكلام مثل: الأكل و الشرب فإن الأكل معاملة بالمعنى الأعم لأنه ليس بعبادة، لكن لا يتصف بالصحة و الفساد، فإذا قيل لزيد: لا تشرب الماء في السّاعة التاسعة صباحا، ثم خالف هذا النهي و شرب الماء في نفس الساعة فإن هذا لا يتصف بالفساد بأن نقول: إن هذا الشرب ليس مجزيا و لا بدّ من الشرب مرة ثانية. هذا باطل لأن الشرب ليس من الأشياء القابلة لأن تتصف بالصحة
[١] منتهى الأصول، ج ١، ص ٥٨٨.