المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٥٧ - ١- (الدلالة)
و نحن نقول: هذا صحيح على هذا القول و لا بأس بتعميم الدلالة إلى اللفظية و العقلية في العنوان حينئذ، و لكن النزاع مع هذا القائل أيضا يقع في الملازمة العقلية قبل فرض الدلالة اللفظية الالتزامية، فالبحث معه أيضا يرجع إلى البحث عن الاقتضاء العقلي. فالأولى أن يراد من الدلالة في العنوان الاقتضاء العقلي، فإنه يجمع جميع الأقوال و الاحتمالات، لا سيما أن البحث يشمل كل نهي و إن لم يكن مستفادا من دليل لفظي.
و مصلحته منحصرة في شيء معين و هو كونه مقدمة للصلاة. قال في القوانين في المقدمة الأولى من مقدمات دلالة النهي على الفساد: «المراد بالعبادات هنا ما احتاج صحتها إلى النية، و بعبارة أخرى: ما لم يعلم انحصار المصلحة فيها في شيء سواء لم يعلم المصلحة أصلا أو علمت في الجملة».
رد صاحب الكفاية في كفايته على هذه التفسيرات قائلا: إذا كان هناك أمر بالعبادة على التفسير الأوّل للعبادة كيف ينهى عنها؟ هذا غير ممكن.
- و هكذا في التفسير الثاني للعبادة فإنها موقوفة على وجود أمر؛ إذ قصد القربة فرع وجود الأمر، و إذا وجد الأمر بالعبادة كيف ينهى عنها؟ هذا أيضا غير ممكن.
- و هكذا في التفسير الثالث موقوفة على وجود أمر متوجه إليها. فالتفسير الثالث للعبادة متوقف على وجود و مع وجود الأمر بالعبادة كيف يتوجه النهي إليها؟ هذا غير ممكن. على كل حال: حاصل ما أفاد به صاحب الكفاية في كفايته في بيان المراد من العبادة هنا بعد أن أبطل جميع التفسيرات الثلاثة يفسر العبادة المراد بها في هذه المسألة بأحد معنيين هما:
الأوّل: ما يكون بذاته عبادة من دون أن تتوقف عبادتها إلى أمر، فالعبادة حينئذ فعلية ذاتية، كالسجود و الركوع و نحوها. فالسجود في ذاته عبادة و لا تحتاج في صدق العبادة عليها إلى أمر هذا من قبيل زوجية الأربعة، فكيف تكون ذاتية لا بجعل جاعل، و لا بواسطة شيء. هنا كذلك فعبادية السجود و الركوع و غيرها ذاتية. فإذا تعلق النهي بهذا القسم من العبادات لا يخرج عن العبادية لكون عباديته ذاتية كما قلنا. نعم يخرج بسبب النهي عن المقربية.
الثّاني: ما يكون عباديته تعليقية بمعنى: أنه لو أمر به لصار عبادة أي: لو أمر به كان أمره أمرا عباديا، و لكن بالفعل ليس مأمورا به. مثل صلاة الحائض لو تعلق بها الأمر لكان عباديا.
الأمر الخامس: تحرير محل النزاع: الغرض من عقد الأمر هذا الأمر هو: تعيين محل النزاع في دلالة النهي على الفساد؛ و هو: أن النهي عنه عبادة كان أو معاملة لا بدّ أن يكون قابلا للاتصاف بالصحة و الفساد حتى يترتب عليه الصحة على تقدير، و الفساد على آخر و بعبارة أوضح: نقدم مقدمة نبين فيها المراد من المعاملة فنقول: تقسم المعاملة إلى ثلاثة استعمالات:
«أحدها: الأخص و الأضيق، و المراد به: العقود المعاوضية بل مطلق المعاوضات و المبادلات، كما هو