المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٥٥ - ١- (الدلالة)
و عليه، فيكون المراد من الدلالة خصوص الدلالة العقلية. و حينئذ يكون المقصود من النزاع: البحث عن اقتضاء طبيعة النهي عن الشيء فساد المنهي عنه عقلا، و من هنا يعلم: إنه لا يشترط في النهي أن يكون مستفادا من دليل لفظي. و في الحقيقة يكون النزاع هنا عن ثبوت الملازمة العقلية بين النهي عن الشيء و فساده، أو عن الممانعة و المنافرة عقلا بين النهي عن الشيء و صحته، لا فرق بين التعبيرين.
الثانية: هل النهي يختص بالنهي النفسي أو ما يعم الغيري؟
الجواب: أما النقطة الأولى: إن المتبادر من النهي خصوص النهي المولوي التحريمي، و لكن المراد به في هذه المسألة أعم من ذلك، فيشمل التنزيهي، و القرينة على ذلك: عموم ملاك البحث لأن بحثنا هنا هل النهي عن الشيء يقتضي فساده أم لا؟ و معلوم: إن هذا لا يختص بما إذا كان النهي تحريميا بل يعم النهي الكراهتي، فلو قال لك المولى «عزّ و جل»: «لا تصل في الحمام» فهذا نهي كراهي، و بالتالي تكون مبغوضة و هذا يستلزم فساد الصلاة؛ لأنه لا يمكن التقرب بالصلاة للمولى و هي مبغوضة عنده «عزّ و جل». إذا: المراد من النهي في العنوان هو الأعم من التحريمي و الكراهتي.
و لكن قد يشكل بإشكال و هو: صحيح أن ملاك البحث هنا ما يعم النهي الكراهتي و هذا لا يكون إلا في العبادات. فهل يسري هذا إلى المعاملات؟ بمعنى: هل نتمكن في باب المعاملات أن نقول: إن النهي الكراهتي عن المعاملة مثل «البيع» لا يتلاءم مع صحة المعاملة؟ كلا.
أجاب صاحب الكفاية على هذا الإشكال قائلا: عنوان البحث يبقى على عمومه، ففي العبادات يقع البحث عن النهي التحريمي و الكراهتي فنقول: هل النهي (التحريمي أو الكراهتي) يقتضي الفساد أم لا؟
و عند ما نصل إلى باب المعاملات نبحث في خصوص النهي التحريمي هل يقتضي فساد المعاملة أم لا؟
أما النقطة الثانية: قد أجاب صاحب الكفاية عنها قائلا: إن كلمة النهي و إن كانت ظاهرة في النهي النفسي، و لكن مع ذلك فهي عامة حتى للنهي الغيري لأن النهي الغيري تارة: يكون أصليا و تارة:
يكون تبعيا، و الواجب الأصلي هو ذلك الواجب الملتفت إليه المولى «عزّ و جل» مستقلا فأراده بإرادة مستقلة فأصاغه بلفظ «صل» أو غير ذلك من الألفاظ.
أما الواجب التبعي بخلاف الواجب النفسي، فإن الواجب الغيري لم يلتفت إليه بأن قال: «اشتر لحما» و لم يلتفت إلى الذهاب إلى السوق حتى يريده بإرادة مستقلة. نعم أراده بإرادة تبعية بمعنى: إنه لم يصغه بالخطاب.
بعد هذه المقدمة التوضيحية نعود لأجل الجواب على النقطة الثانية قال صاحب الكفاية في كفايته: إن الأمر الغيري تارة: يكون أصليا بمعنى: أن المولى ملتفت إليه مستقلا و أراده مستقلا و أصاغه في الخطاب قائلا: «لا تشرب الخمر و لا تصنعه». و تارة: لا يصوغه بالخطاب بمعنى: كان تبعيا فإذا صاغه في الخطاب يدخل في بحثنا؛ لأن الآخوند قال سابقا: إن محل كلامنا إن النهي هل يدل على الفساد أم لا؟ ففي النهي الغيري يوجد لفظ، فبلا إشكال يدخل في محل الكلام، فبوجود اللفظ نستطيع أن نقول: هل يدل على الفساد أم لا؟ و أما لو كان هذا النهي الغيري تبعيا بمعنى: عدم وجوده بالخطاب