المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٧ - ١- الواجب النفسي و الغيري
و يندفع هذا التوهم بأدنى تأمل، فإن ذلك التعبير عن الواجب النفسي صحيح لا غبار عليه، و هو نظير تعبيرهم عن الله تعالى بأنه «واجب الوجود لذاته»، فإن غرضهم منه: إن وجوده ليس مستفادا من الغير و لا لأجل الغير كالممكن، لا إن معناه أنه معلول لذاته. و كذلك هنا نقول في الواجب النفسي؛ فإن معنى «ما وجب لنفسه» إن وجوبه غير مستفاد من الغير، و لا لأجل الغير، في قبال الواجب الغيري الذي وجوبه لأجل الغير، لا إن وجوبه مستفاد من نفسه.
و بهذا يتضح معنى تعريف الواجب الغيري (ما وجب لواجب آخر)، فإن معناه: أن وجوبه لأجل الغير و تابع للغير، لكونه مقدمة لذلك الغير الواجب. و سيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعية هذه ليتجلى لنا المقصود من الوجوب الغيري في الباب.
الغيريّة، و لذا تصدّى صاحب الكفاية (قدس سره) لدفع هذا الإشكال بوجه آخر، و هو ما أشار إليه بقوله: فالأولى أن يقال: إنّ الأثر المترتب على الواجب و إن كان لازما إلا أن ذا الأثر لمّا كان معنونا بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله، بل و بذمّ تاركه صار متعلّقا للإيجاب بما هو كذلك أي: بما أنّه معنون بعنوان حسن، لا بما إنّه ممّا يترتب عليه الأثر و الفائدة حتى يكون واجبا غيريّا.
و بعبارة أخرى: أن الواجب النفسي عبارة عن الفعل المتّصف ذاتا بالحسن؛ بحيث يستقل العقل بمدح فاعله، و ذمّ تاركه و إن لم يلتفت إلى ما يترتب عليه من الفائدة، فنفسيّة الواجب إنّما هي باعتبار حسنه الذاتي، سواء ترتب عليه فائدة كالصلاة و الصوم و الحج و غيرها من الواجبات النفسيّة، أم لا كالمعرفة بالله تعالى.
و لا ينافي إيجابه النفسي الناشئ عن حسنه الذاتي كونه مقدّمة لمطلوب واقعا و هو الأثر المترتّب عليه، كمعراج المؤمن المترتّب على الواجب النفسي أعني: الصلاة. بخلاف الواجب الغيري، فإنّ كونه مقدّمة لمطلوب واقعا ينافيه إيجابه النفسي، لعدم وجود ملاك الواجب النفسي فيه، و هو كونه معنونا بعنوان حسن في ذاته، حيث إنّ وجوبه متمحّض في كونه مقدّمة لواجب نفسيّ، كالوضوء و الغسل الواجبين لوجوب الصلاة، و لكونهما مقدّمة لوجود الصلاة عن طهارة- و إن كانا معنونين بعنوان حسن ذاتا- إلا إنّ مطلوبيتها الذاتية ليست لأجل حسنها الذاتي حتى تتصفا بالوجوب النفسي، و إنما هي لكونها مقدّمة لمطلوب آخر، و هو وقوع الصلاة عن طهارة، فحسنها الذاتي لم يقتض إيجابهما حتى يكون نفسيا، و ما اقتضاه أجنبي عن حسنهما الذاتي، و إنّما هو كونهما مقدّمة لمطلوب آخر، فهو غيريّ.
و بالجملة: إن كان الموجب لإيجاب الشيء حسنه الذاتي، فهو نفسيّ، و إن كان هو كونهما مقدّمة لمطلوب آخر، فهو غيريّ [١].
[١] منتهى الدراية في شرح الكفاية، ج ٢، ص ٢٣٦- ٢٣٧ مزجا ما بين المتن و الشرح (بتصرف).