المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٦ - ١- الواجب النفسي و الغيري
فإن قولنا: (ما وجب لنفسه) قد يتوهم منه المتوهم لأوّل نظرة أن العبارة تعطي أن معناها: أن يكون وجوب الشيء علة لنفسه في الواجب النفسي، و ذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيري، إذ يستفاد منه: أن وجوب الغير علة لوجوبه كما عليه المشهور. و لا شك في: أن هذا محال في الواجب النفسي، إذ كيف يكون الشيء علة لنفسه؟
تقسيم الواجب إلى نفسي و غيري يكون باعتبار دواعي الطلب، فإن كان الداعي إلى طلب شيء التوصّل به إلى واجب لا يمكن إيجاده إلا بإيجاد ذلك الشيء كان وجوب ذلك الشيء غيريا، كالمسير إلى الحج، فإنّه مطلوب للتوصل إلى الحجّ الذي لا يوجد إلا بالمسير. و إن لم يكن الداعي إلى طلب شيء التوصّل به إلى واجب كان ذلك وجوبا نفسيا، كوجوب الحج، فإن طلبه ليس لأجل التوصّل إلى واجب. إذا: فهو واجب نفسي سواء كان الداعي محبوبيّة الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله تعالى، أو محبوبيّته بما له من فائدة مترتبة عليه، كأكثر الواجبات من العبادات مثل: الصلاة و الزكاة و نحوها.
هذه كلها محبوبيتها لغيرها و هذا لا يؤثر في كونها واجبا نفسيا. المهم أن لا تكون واجبا لأجل واجب آخر.
- ثم استدرك صاحب الكفاية قائلا: لكنه لا يخفى: أن الداعي لوجوب الصلاة و الصوم ... و نحوها من العبادات- لو كان هو محبوبيته بما له من الفائدة المرتّبة عليه- كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريا، لأن الصلاة وجبت لوجوب آخر و هي تلك الفائدة و هي النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف. إذا:
مطلوبية الصلاة و الصوم و الحج ... و نحوها إنما هي لأجل التوصّل إلى فوائدها، فيصدق على تلك الواجبات: أنّها وجبت للتوصّل إلى واجب آخر، و هذا حدّ الواجب الغيري.
يرد إشكال هنا و محصله: إنّ الفوائد المترتبة على الواجبات و إن كانت محبوبة، و لذا دعت إلى إيجاب الأفعال المحصّلة لها، لكنّها ليست متعلّقة للوجوب، لعدم قدرة المكلّف عليها، فإنّ الفائدة المترتّبة على الصلاة مثل: «معراج المؤمن» و «قربان كلّ تقي» خارجة عن حيّز قدرة المكلّف التي هي شرط صحة التكليف، فالفوائد المترتبة على الواجبات لا يتعلق الواجب بها، فلا يصدق حدّ الواجب الغيري- و هو كونه واجبا للتوصّل إلى واجب آخر- على القسم الثاني من الواجبات النفسيّة.
رد صاحب الكفاية على هذا الإشكال و حاصله: منع خروج تلك الفوائد عن حيّز القدرة، بل هي مقدورة للمكلّف، فلا مانع من تعلّق التكليف بها.
توضيحه: أنّ المقدور على قسمين: أحدهما: تسبيبي، كالإحراق المترتّب على الإلقاء في النار.
و الآخر: مباشري كالإلقاء في النار، و المقدور بكلا القسمين يصح تعلّقه التكليف به، فإنّ الأمور الاعتبارية كالملكيّة، و الزوجيّة، و العتق، و الطلاق، و غير ذلك من المسببات التوليديّة المقدورة- لأجل القدرة على أسبابها- يصحّ التكليف بها، و الفوائد المترتّبة على الواجبات النفسيّة من هذا القبيل، لانطباق ضابط المسبّب التوليدي عليها، فلم يندفع إشكال اندراج الواجبات النفسيّة في الواجبات