المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٦ - تحرير النزاع
و هذا الأمر بهذا المقدار ليس موضعا للشك و النزاع، و إنما الذي وقع موضعا للشك و جرى فيه النزاع عند الأصوليين هو: إن هذه اللابدية العقلية للمقدمة التي لا يتم الواجب إلا بها هل يستكشف منها اللابدية شرعا أيضا؟
من أقسام الدلالة اللفظية، فصاحب المعالم استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافا إلى ذكر هذه المسألة في مباحث الألفاظ يجعلها من المسائل اللفظية لا العقلية.
فموضوع البحث هنا: هذه الملازمة التي حكم بهذا العقل هل يحكم بها الشارع؟ أي: عند ما حكم العقل بوجوب المقدمة- من أن مقدمة الواجب واجب- هل يحكم الشارع على وجوب المقدمة بنفس ما انتهى إليه العقل و بوجود الملازمة أم لا؟
أنواع القيود: هذا العنوان طرح هنا لأجل طرح أنواع القيود و بيان أيهم داخل في البحث و أيهم خارج عن البحث، و لأجل أن لا تختلط على الطالب إدخال بعض البحوث من القيود في مورد البحث و هي في الحقيقة خارج عنه. و لذا جاءت هذه الفكرة لأجل استعراض القيود الخارجية عن حقيقة الماهية و القيود الداخلية في حقيقة الماهية، و أي من هذه و القيود يهمنا في هذا البحث (مقدمة الواجب).
المقدمة الخارجية و أقسامها: المقدمة الخارجية هي ما كان خارجا عن ماهية المأمور به، و كان له دخل في تحققه و لا يكاد يتحقق المأمور به بدون هذه المقدمة الخارجية. و قد ذكر لها أقسام كثيرة و من أقسامها:
١- المقدمة العقلية: و هي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدون المقدمة.
قال السيّد الصدر (قدس سره) في بيان هذه المقدمة موضحا: هناك قيود و مقدمات تكوينية يفرضها الواقع بدون جعل من قبل المولى، و ذلك من قبيل إيجاد واسطة نقل، فإنها مقدمة تكوينية للسفر بالنسبة إلى من لا يستطيع المشي على قدميه، فإذا وجب السفر كان توفير واسطة النقل مقدمة للواجب (الحج) حتى بدون أن يشير إليها المولى، أو يخصص الواجب بها، و تسمى بالمقدمة العقلية.
و المقدمات العقلية للواجب من ناحية مسئولية المكلف تجاهها كالقيود الشرعية مثل الطهارة بالنسبة للصلاة، فإن أخذت المقدمة العقلية للواجب قيدا للوجوب لم يكن المكلف مسئولا عن توفيرها، و إلا كان مسئولا عقلا عن ذلك، بسبب كونه ملزما بامتثال الأمر الشرعي الذي لا يتم بدون إيجادها.
٢- المقدمة الشرعية: و هو ما استحيل وجود ذي المقدمة بدون المقدمة شرعا، و تسمى بالمقدمة الوجودية مثل الطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فإن وجود الواجب (الصلاة) خارجا و فعلا يتوقف على الطهارة، و هذا هو وجه التسمية بالمقدمة الوجودية. فإن قيد الطهارة ليس قيدا للوجوب المجعول لوضوح: أن الشمس إذا زالت و كان الإنسان محدثا، وجبت عليه الصلاة أيضا، و إنما هو قيد لمتعلق الوجوب، أي: للواجب و هو الصلاة على حد تعبير السيّد الشهيد الصدر (قدس سره). ثم قال (قدس سره): و معنى كون شيء قيدا للواجب: أن المولى حينما أمر بالصلاة أمر بحصة خاصة منها لا بها كيفما اتفقت، حيث أن الصلاة تارة تقع مع الطهارة، و أخرى بدونها، فاختار الحصة الأولى (الصلاة