المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٦ - المبحث الثّالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل و حكم الشرع (٢)
لقد وقع الخلاف في ذلك، و الحق: أنه للإرشاد حيث يفرض أن حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن و اندفاع إرادته للقيام به، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثابتا، بل يكون عبثا و لغوا، بل هو مستحيل لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل (١).
و عليه، فكل ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا (٢).
نعم لو قلنا: بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح و الذم فقط، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب و العقاب من قبل المولى، أو أنه يلزم منه ذلك بل هو عينه (٣) و لكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن ألا يكون نفس إدراك استحقاق المدح و الذم كافيا لدعوة كل أحد إلى الفعل إلا للأفذاذ من الناس، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتب على موافقته الثواب و على مخالفته العقاب في مقام الدعوة إلى الفعل و انقياده، فإذا ورد أمر من المولى في مورد حكم العقل المستقل فلا مانع من حمله على الأمر المولوي، إلا إذا استلزم منه محال التسلسل كالأمر بالطاعة و الأمر بالمعرفة. بل مثل هذه الموارد لا معنى لأن يكون الأمر فيها مولويا، لأنه لا يترتب على موافقته و مخالفته غير ما يترتب على متعلق المأمور به، نظير الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي (٤).
(١) الغرض من الأمر المولوي: إيجاد الداعي و البعث، و حيث أن البعث متحقق بحكم العقل فلا حاجة لجعل المولى الداعي و البعث ثانيا و إلا للزم تحصيل الحاصل.
(٢) مثلا: إذا حكم العقل بوجوب إطاعة الله «سبحانه و تعالى» ففي هذه الحالة: إذا جاء أمر بوجوب الإطاعة فإنّه أمر إرشادي أي: إرشاد إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة.
(٣) الحق كما- صرح بذلك كثير من العلماء المحققين- أن معنى استحقاق المدح ليس إلا استحقاق الثّواب، و معنى استحقاق الذم ليس إلا استحقاق العقاب، بمعنى: أن المراد من المدح ما يعم الثّواب لأن المراد بالمدح المجازاة بالخير، و المراد من الذم: ما يعم العقاب لأن المراد به المكافأة بالشر. و لذا قالوا: إن مدح الشارع ثوابه، و ذمه عقابه، و أرادوا به هذا المعنى. (المصنّف).
(٤) و بعبارة أوضح: أن الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي أمر إرشادي، أي: إرشاد إلى لزوم موافقة التكليف المعلوم بالإجمال، و المكلف إذا احتاط يوافق التكليف المعلوم بالإجمال، لا أنّه جاء بموافقتين إحداهما موافقة التكليف المعلوم بالإجمال، و الثّانية موافقة الأمر بالاحتياط.