المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٤ - المبحث الثّالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل و حكم الشرع (٢)
و الحق: أن الملازمة ثابتة عقلا، فإن العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه- أي:
أنه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام و بقاء النوع، أو على قبحه لما فيه من الإخلال بذلك- فإن الحكم هذا يكون
٢- إن الملازمة غير ثابتة، و على هذا بنى صاحب الفصول و جماعة من المتأخرين كالشّيخ العراقي و السيّد الخوئي و السيّد الشهيد.
و استدل أصحاب الإجابة الأولى: بأن العقل إذا حكم بحسن شيء فبما أن الشارع عاقل أيضا بل سيّد العقلاء و رئيسهم فيلزم أن يحكم هو أيضا.
و فيه: أنه تارة: نبني على أن صفة الحسن و القبح من الصفات الواقعية الثابتة قبل خلق العقلاء، و أخرى: نبني على كونها صفة مجعولة من قبل العقلاء. فإن بني على الأول فالملازمة المدعاة بين حكم العقل و حكم الشارع لا وجه لها فإن العقل حينما يحكم بأن الصدق مثلا حسن فالمقصود كشف العقل عن ثبوت حسن الصدق واقعا؛ لا إنه هو الذي يحكم و يثبت الحسن- إذا المفروض أن الحسن ثابت واقعا بقطع النظر عن حكم العقل و العقلاء- و معه: فموافقة الشارع للعقلاء لا معنى لها سوى أن الشارع يدرك ثبوت صفة الحسن للصدق واقعا كما أدرك العقلاء ذلك، و واضح أن هذا أجنبي عن مسألة الملازمة، فإن المقصود من الملازمة هو إثبات حكم شرعي بالوجوب أو الحرمة لا مجرد إدراك الشارع ثبوت صفة الحسن و القبح واقعا.
و إن بني على الثاني و أن صفة الحسن و القبح تثبت بحكم العقلاء فنسأل لما ذا يلزم- عند حكم العقلاء بحسن- حكم الشارع؟ إن ذلك يحتاج إلى نكتة، و قد يقال: تلك النكتة هي: أن العقلاء حينما- لا يحكمون بحسن الصدق مثلا فلا بدّ من وجود مصلحة في الصدق هي التي دعتهم للحكم على طبقها بالوجوب، و لكن يردها: أن أحكام الشارع و إن كانت تابعة للمصالح بيد أن استكشاف الوجوب من المصلحة هو عبارة أخرى عن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي النظري و ليس استكشافا له من الحكم العقلي العملي- و المفروض: أن كلامنا الآن في استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي العملي دون النظري- و مرّ بنا سابقا أن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم النظري صعب جدا؛ إذ من البعيد قطع العقل بتحقق المصلحة و الشرط و فقدان المانع فإن العقل يدرك محدوديته و ضعفه.
هذا كله لو فرض أن نكتة تحتم حكم الشارع عند حكم العقلاء هي: أن حكم العقل بالحسن ناشئ من المصلحة، و عند وجود المصلحة يلزم حكم الشارع بالوجوب.
أما إذا فرض أن نكتة تحتم حكم الشارع ليست هي المصلحة؛ بل أن العقلاء إذا حكموا بحسن الصدق مثلا فحيث أنهم لا يحكمون أهواءهم- بل عقلهم- فقط فيلزم أن يحكم الشارع كما حكموا لأنه عاقل مثلهم بل رئيسهم، إن النكتة إذا كانت هذه فيردها عدم الدليل على الملازمة، فإن مجرد كون الشارع أحد العقلاء بل رئيسهم لا يصلح نكتة على حتمية حكم الشارع بل قد يقتضي العكس، إذ مقتضى كون الشارع رئيس العقلاء كون عقله أكبر فقد يطلع على ما خفي على غيره.