المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٣ - المبحث الثّالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل و حكم الشرع (٢)
المتقدمة الذي يظهر من كلام بعضهم- بإنكار هذه الملازمة. و أما الأصوليون فقد أنكرها منهم صاحب الفصول و لم نعرف له موافقا. و سيأتي توجيه كلامهم و كلام الأخباريين.
من قبلهم مثل: حكمهم بوجوب إقامة العزاء على الميت. غاية الأمر: حكمهم بحسن الصدق و قبح الكذب مثلا حكم متفق عليه بينهم و لم يخالف فيه أحد، و ما ذاك إلا لوضوح ثبوت المصلحة في الصدق و المفسدة في الكذب، بخلاف مثل إقامة العزاء على الميت فإنه قد لا يكونون متفقين عليه بسبب عدم وضوح المصلحة فيه.
و الصحيح هو الاتجاه الأول لناحيتين:
أ- أن الاتجاه الثاني مخالف للوجدان فإنه قاض بأن الظلم قبيح و العدل حسن حتى قبل أن يخلق الله سبحانه العقلاء، فكما أن استحالة الدور أمر ثابت في الواقع حتى قبل وجود العقلاء كذلك حسن العدل و قبح الظلم.
ب- ذكر الاتجاه الثاني: أن الحسن و القبح حكمان مجعولان من قبل العقلاء و أنهم يجعلون الحسن و القبح لأجل وجود المصلحة و المفسدة في الشيء، فالشيء لأجل مصلحته يحكمون بحسنه و لأجل مفسدته يحكمون بقبحه، هكذا ذكروا و لكنه غير مسلم دائما إذ أحيانا يحكم العقلاء بقبح الشيء و ليس فيه مفسدة أو يحكمون بحسن الشيء و ليس فيه مصلحة. و مثال ذلك: لو فرض وجود إنسان مريض يتمنى الموت لحظة بعد أخرى و ليس لوجوده أي نفع، فإذا قتل و استخرج من قلبه دواء خاص أمكن أن يستفيد منه شخصان عالمان نحفظ به حياتهما، في مثل هذه الفرضية يكون قتل ذلك الشخص غير مشتمل على المفسدة؛ إذ أي مفسدة في قتل مثل الشخص المذكور و لكن مع ذلك هو قبيح. إذا: صفة الحسن و القبح لا تنشأ دائما من المفسدة و المصلحة بل قد تنشأ من غيرهما و إن كانت في الغالب تنشأ منهما.
إن قلت: إن القتل في المثال المذكور إذا لم يكن مشتملا على المفسدة فكيف حكم العقلاء بالقبح؟ إن حكمهم المذكور يكون بلا مبرر.
قلت: إن هذا نفسه دليل على حقانية الاتجاه الأول و أن الحسن و القبح صفتان ثابتتان في الواقع و لا ربط لهما بالمصلحة و المفسدة- خلافا لما يدعيه أصحاب الاتجاه الثاني- و إن كانتا في الغالب تلتقيان مع المصلحة و المفسدة و تكونان هما المنشأ لحكم العقل بالحسن و القبح.
و بعد هذا التوضيح الذي شرحه فضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني: يعود إلى صلب الموضوع قائلا:
طرحنا فيما سبق تساؤلا و هو إنه إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه فهل يلزم حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة؟ و استعرضنا قبل الإجابة مقدمة، و بعد الفراغ منها نعود إلى تساؤلنا السابق. و قد طرحت له إجابتان:
الإجابة الأولى: ١- إن الملازمة ثابتة، فإذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه لزم حكم الشارع أيضا، و على هذا بنى الميرزا و الشّيخ الأصفهاني (قدس سرهما).