المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٣ - ٢- واقعية الحسن و القبح في معانيه و رأي الأشاعرة (٢)
لا يختلف باختلاف الأنظار و الأذواق، و لا يتوقف على وجود من يدركه و يعقله.
بخلاف الحسن بالمعنيين الأخيرين.
و هذا ما يحتاج إلى التوضيح و التفصيل، فنقول:
١- أما (الحسن بمعنى الملاءمة)، و كذا ما يقابله (١)، فليس له في نفسه بإزاء في الخارج يحاذيه و يحكي عنه، و إن كان منشؤه قد يكون أمرا خارجيا، كاللون و الرائحة و الطعم و تناسق الأجزاء و نحو ذلك.
بل حسن الشيء يتوقف على وجود الذوق العام أو الخاص، فإن الإنسان هو الذي يتذوق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشيء ملائما لنفسه، فيكون حسنا عنده أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشيء كان حسنا عند قوم قبيحا عند آخرين. و إذا اتفقوا في ذوق عام كان ذلك الشيء حسنا عندهم جميعا، أو قبيحا كذلك.
و الحاصل: إن الحسن- بمعنى الملائم- ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال، و ليس واقعية هذه الصفة إلا إدراك الإنسان و ذوقه، فلو لم يوجد إنسان يتذوق و لا من يشبهه في ذوقه لم تكن للأشياء في حد أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.
و هذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الألوان، إذ يقال: إنها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقية هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها، و ليس كل واحد من الألوان
س: هل الحسن و القبح أمران واقعيان لا يختلفان باختلاف الأنظار، أم غير واقعيين؟.
ج: الحسن و القبح بالمعنى الأوّل و هو الكمال و النقص، فلا إشكال في أنهما أمران واقعيان فإن العلم كمال للنفس واقعا، أي: أن القبح و الحسن بالمعنى الأوّل هما وصفان واقعيان ثابتان للموصوف، مع غض النظر عن تطابق العقلاء، فإن العلم كمال للنفس واقعا حتى لو لم يقر به العقلاء.
و أما الحسن و القبح بالمعنى الثّاني، و هو الملاءمة و المنافرة فتتوقف على وجود إنسان يتذوق، و على وجود مناظر و روائح متذوقة، فإذا وجد المتذوّق و المتذوّق حينئذ ينشأ الحسن و القبح بالمعنى الثّاني. فالحسن و القبح بالمعنى الثّاني مع قطع النظر عن المتذوّق و المتذوّق ليس موجودا.
(١) و هو القبح بمعنى المنافرة.