المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧١ - ١- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما
ذلك يقال في المتعلقات و الأفعال: هذا المنظر قبيح (١). ولولة النائحة قبيحة (٢). و النوم على الشبع قبيح. و هكذا. و كل ذلك لأن النفس تتألم أو تشمئز من ذلك.
فيرجع معنى الحسن و القبح- في الحقيقة- إلى معنى اللذة و الألم، أو فقل: إلى معنى الملاءمة للنفس و عدمها، ما شئت فعبر فإن المقصود واحد.
ثم أن هذا المعنى من الحسن و القبح يتسع إلى أكثر من ذلك، فإن الشيء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذة أو ألما، و لكنه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذ به النفس أو تتألم منه يسمى أيضا حسنا أو قبيحا، بل قد يكون الشيء في نفسه قبيحا تشمئز منه النفس أيضا كشرب الدواء المر؛ و لكنه باعتبار ما يعقبه من الصحة و الراحة- التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتي- يدخل فيما يستحسن. كما قد يكون الشيء بعكس ذلك حسنا تلتذ به النفس كالأكل اللذيذ المضر بالصحة، و لكن ما يعقبه من مرض أعظم من اللذة الوقتية يدخل فيما يستقبح.
و الإنسان بتجاربه الطويلة و بقوة تمييزه العقلي يستطيع أن يصنف الأشياء و الأفعال إلى ثلاثة أصناف: ما يستحسن، و ما يستقبح، و ما ليس له هاتان المزيتان. و يعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة و المنافرة و لو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو عند العقل على ما له من لذة وقتية أو ألم وقتي، كمن يتحمل المشاق الكثيرة و يقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم أو الجاه أو الصحة أو المال، و كمن يستنكر بعض اللذات الجسدية استكراها لشؤم عواقبها.
و كل ذلك يدخل في الحسن و القبح بمعنى الملائم و غير الملائم، قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: «و قد يعبر عنهما- أي: الحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة فيقال: الحسن ما فيه مصلحة و القبح ما فيه مفسدة. و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما».
و هذا راجع إلى ما ذكرنا، و ليس المقصود أن للحسن و القبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة و المنافرة، فإن استحسان المصلحة إنما يكون للملاءمة و استقباح المفسدة للمنافرة.
(١) فإن القبح وقع وصفا لمتعلق الفعل، و هو النظر.
(٢) فإن القبح وقع وصفا للفعل، و هو ولولة.