المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦٦ - تمهيد
أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
٢- إنه بعد فرض القول بأن للأفعال في حد أنفسها حسنا و قبحا، هل يتمكن العقل من إدراك وجوه الحسن و القبح مستقلا عن تعليم الشارع و بيانه أو لا؟ و على تقدير تمكنه: هل للمكلف أن يأخذ به بدون بيان الشارع و تعليمه، أو ليس له ذلك إما مطلقا أو في بعض الموارد؟
و هذه المسألة هي إحدى نقط الخلاف المعروفة بين الأصوليين و جماعة من الأخباريين، و فيها تفصيل من بعضهم على ما يأتي. و هي أيضا ليست من مباحث علم الأصول، و لكنها من المبادئ لمسألتنا الأصولية الآتية، لأنّه بدون القول بأن العقل يدرك وجوه الحسن و القبح لا تتحقق عندنا صغرى القياس التي تكلمنا عنها سابقا (١).
و لا ينبغي أن يخفى عليكم: أن تحرير هذه المسألة سببه المغالطة التي وقعت لبعضهم، و إلا فبعد تحرير المسألة الأولى على وجهها الصحيح- كما سيأتي- لا يبقى مجال لهذا النزاع. فانتظر توضيح ذلك في محله القريب.
لبحثنا، أي: أن ما حكم به العقل هل يلزم حكم الشارع على طبقه، و من الواضح: أن هذا فرع إثبات كون الحسن و القبح عقليين.
(١) و بعبارة أخرى: إن العقل هل يدرك حسن الأفعال و قبحها، أم لا يدرك و لو كان بنو الموجبة الجزئية؟ هذا بناء على أن يكون للأفعال حسن و قبح مع قطع النظر عن أمر الشارع و نهيه. و أمّا على تقدير إنكار ذلك، و أنّ الأفعال في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن أمر الشارع و نهيه لا حسن لها و لا قبح لها، و أنّ الحسن ما أمر به الشارع، و أنّ القبيح ما نهى عنه- كما ذهب إليه الأشاعرة- فليس هناك في مقام الثبوت حسن و قبح؛ كي يقع الكلام في أنّه هل يدركه العقل أم لا؟
و قد نسب إلى الأخباريين منّا إنكار إدراك العقل حسن الأفعال و قبحها. و لو بنحو الموجبة الجزئية و في مورد واحد.
- و لكن الإنصاف: إنّ عزل العقل بالمرّة عن إدراك الحسن و القبح ليس كما ينبغي، بل ربّما يلزم منه إفحام الأنبياء؛ إذ بناء على هذا يمكن صدور المعجزة على يد الكاذب و لا قبح فيه، فلا يكون صدور المعجزة منه و على يده دليلا على نبوّته، هذا مع أنّ بداهة العقل و الفطرة تحكم بحسن بعض الأفعال كإطاعة المنعم و شكره، و قبح بعضها الآخر كعصيانه و كفرانه. فإذا عزلنا العقل بالمرّة عن الإدراك فينسدّ باب إثبات الصانع، و يبطل جميع العلوم العقلية بل النقلية أيضا [١].
[١] راجع كتاب منتهى الأصول، ج ٢، ص ٦٤- ٦٥.