المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٠ - المسألة الخامسة- مقدمات الحكمة
و هذه القرينة العامة إنما تحصل إذا توفرت جملة مقدمات تسمى:
(مقدمات الحكمة). و المعروف أنها ثلاث:
(الأوّلى): إمكان الإطلاق و التقييد: بأن يكون متعلق الحكم أو موضوعه قبل فرض تعلق الحكم به قابلا للانقسام (١)، فلو لم يكن قابلا للقسمة إلا بعد فرض تعلق الحكم به كما في باب قصد القربة، فإنه يستحيل فيه التقييد، فيستحيل فيه الإطلاق (٢)، كما تقدم في بحث التعبدي و التوصلي ... و هذا واضح.
(الثّانية): عدم نصب قرينة على التقييد لا متصلة، و لا منفصلة، لأنه مع القرينة المتصلة لا ينعقد ظهور الكلام إلا في المقيد، و مع المنفصلة ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق، و لكنه يسقط عن الحجية لقيام القرينة المقدمة عليه و الحاكمة، فيكون ظهوره ظهورا بدويا، كما قلنا في تخصيص العموم بالخاص المنفصل، و لا تكون للمطلق الدلالة التصديقية الكاشفة عن مراد المتكلم، بل الدلالة التصديقية إنما هي على إرادة التقييد واقعا.
(الثّالثة): أن يكون المتكلم في مقام البيان، فإنه لو لم يكن في هذا المقام بأن كان في مقام التشريع فقط (٣)، أو كان في مقام الإهمال إما رأسا (٤) أو لأنه في صدد
(١) أي: قابل للانقسام إلى حصة واجدة للقيد و إلى حصة فاقدة للقيد.
(٢) فإن الصلاة لا يمكن تقسيمها إلى صلاة يأتي بها المكلف بقصد أمرها، و صلاة يأتي بها لا بقصد أمرها إلا بعد تعلق الأمر و الحكم بها، و إلا مع قطع النظر عن تعلق الحكم بها لا تنقسم إلى هذين القسمين، و من هذا يتضح: أن قصد القربة من التقسيمات الثّانوية، و قد ثبت أن التقسيمات الثّانوية يستحيل أخذها في متعلق الأمر، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق لأنّ التقابل بينهما تقابل الملكة و عدمها.
(٣) فلو كان في مقام بيان أصل التشريع من دون نظر إلى الخصوصيات، كما إذا قال: «صوم شهر رمضان واجب» و لم يتعرض لما يعتبر في وجوبه و صحته، فلا يصح التمسك بإطلاق كلامه، و إثبات أن ما بينه هو تمام مراده.
(٤) أي: أصلا ليس في مقام البيان.
كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، لا الإهمال أو الإجمال: ما المراد من الإهمال و الإجمال هنا؟
- المراد من الإهمال هنا قيل: كون المتكلم في مقام إثبات الحكم لطبيعة الموضوع في الجملة و إن لم يكن عالما بالكيفيتين، كقول غير الطبيب للمريض: «لا بدّ لرفع المرض من شرب الدواء» حيث لا يعلم