المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٨٧ - تنبيه (٧)
و تبعه جماعة من المتأخرين عنه.
و ذهب المحقق شيخ أساتذتنا (صاحب الكفاية) (قدس سره): إلى التفصيل بين ما إذا كان المخصص اللبي مما يصح أن يتكل عليه المتكلم في بيان مراده بأن كان عقليا ضروريا (١)، فإنه يكون كالمتصل، فلا ينعقد للعام ظهور في العموم فلا مجال للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و بين ما إذا لم يكن كذلك (٢)، كما إذا لم يكن التخصيص ضروريا على وجه يصح أن يتكل عليه المتكلم، فإنه لا مانع من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لبقاء العام على ظهوره، و هو حجة بلا مزاحم.
و استشهد على ذلك: بما ذكره من الطريقة المعروفة و السيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء، كما إذا أمر المولى منهم عبده بإكرام جيرانه، و حصل القطع للعبد بأن المولى لا يريد إكرام من كان عدوا له من الجيران، فإن العبد ليس له ألا يكرم من يشك في عداوته، و للمولى أن يؤاخذه على عدم إكرامه و لا يصح منه الاعتذار بمجرد احتمال العداوة، لأن بناء العقلاء و سيرتهم هي ملاك حجية أصالة الظهور، فيكون ظهور العام- في هذا المقام- حجة بمقتضى بناء العقلاء (٣).
و زاد على ذلك: بأنه يستكشف من عموم العام للفرد المشكوك إنه ليس فردا للخاص الذي علم خروجه من حكم العام. و مثل له بعموم قوله: «لعن الله بني فلان (٤) قاطبة» المعلوم منه خروج من كان مؤمنا منهم، فإن شك في إيمان شخص يحكم بجواز لعنه للعموم. و كل من جاز لعنه ليس مؤمنا، فينتج من الشكل الأوّل
(١) أي: يكون الخاص واضحا بحيث يمكن أن يعتمد عليه المتكلم في بيان مراده، في قبال النظري.
(٢) أي: إذا لم يصح أن يتكل عليه المتكلم في بيان مراده.
(٣) و يتضح أن ما ذكره صاحب الكفاية من المثال ليس كشاهد فحسب بل هو دليل لقوله.
و بعبارة أخرى نقول: قال صاحب الكفاية: إن سيرة العقلاء جارية في حالة ورود العام المخصص بمخصص عقلي (لبي) على إثبات حكم العام في مورد الشّك، فإن المولى إذا أمر عبده العاقل بإكرام جيرانه، و قطع العبد بأن المولى لا يريد إكرام أعدائه، فإن سيرة العقلاء جارية على إكرام من يشكّ في عداوته، و السيرة العقلائية حجة، و ظهور العام حجة، و باقي في شموله لهذا الفرد المشكوك؛ بخلاف ما إذا كان المخصص لفظيا، فإن سيرة العقلاء ليست جارية على ذلك؛ بل الفرد المشكوك لا يعلم اندراجه تحت أي الحجتين (العام و الخاص)، فلا بدّ من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين (أي: الأصل العملي).
(٤) أي: بني أمية.