المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٣ - ١- (ألفاظ العموم)
باللام، و إنما يستفاد بالإطلاق بمقتضى مقدمات الحكمة، و لا فرق بينهما من جهة العموم في استغراق جميع الأفراد فردا فردا.
و قد توهم بعضهم: أن معنى استغراق الجمع المحلى و كل جمع مثل: أكرم جميع العلماء هو استغراق بلحاظ مراتب الجمع، لا بلحاظ الأفراد فردا فردا، فيشمل كل جماعة جماعة، و يكون بمنزلة قول القائل: (أكرم جماعة جماعة)؛ فيكون موضوع الحكم كل جماعة على حدة لا كل مفرد، فإكرام شخص واحد لا يكون امتثالا للأمر. و ذلك نظير عموم التثنية، فإن الاستغراق فيها بملاحظة مصاديق التثنية، فيشمل كل اثنين اثنين، فإذا قال: (أكرم كل عالمين) فموضوع الحكم كل اثنين من العلماء لا كل فرد.
و منشأ هذا التوهم: أن معنى الجمع الجماعة، كما أن معنى التثنية الاثنين، فإذا دخلت أداة العموم عليه (١) دلت على العموم بلحاظ كل جماعة جماعة، كما إذا دخلت على المفرد دلت على العموم بلحاظ كل فرد فرد، و على التثنية دلت عليه بلحاظ كل اثنين اثنين، لأن أداة العموم تفيد عموم مدخولها.
و لكن هذا توهم فاسد للفرق بين التثنية و الجمع، لأن التثنية تدل على الاثنين المحدودة من جانب القلة و الكثرة. بخلاف الجمع، فإنه يدل على ما هو محدود من جانب القلة فقط، لأن أقل الجمع ثلاثة، و أما من جانب الكثرة، فغير محدود أبدا.
فكل ما تفرض لذلك اللفظ المجموع من أفراد- مهما كثرت- فهي مرتبة من الجمع واحدة و جماعة واحدة، حتى لو أريد جميع الأفراد بأسرها، فإنها كلها مرتبة واحدة من الجمع، لا مجموعة مراتب له. فيكون معنى استغراق الجمع: عدم الوقوف على حد خاص من حدود الجمع و مرتبة دانية منه، بل المقصود أعلى مراتبه. فيذهب استغراقه إلى آخر الآحاد لا إلى آخر المراتب، إذ ليس هناك بلحاظ جميع الأفراد إلا مرتبة واحدة لا مراتب متعددة، و ليس إلا حدّ واحد هو الحدّ الأعلى، لا حدود متكثرة، فهو من هذه الجهة كاستغراق المفرد معناه: عدم الوقوف على حدّ خاص، فيذهب إلى آخر الآحاد.
نعم الفرق بينهما إنما هو في عدم الاستغراق، فإن عدم استغراق المفرد يوجب
(١) الضمير يعود على الجمع.