المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٤ - ٤- الواجب العيني و إطلاق الصيغة (١)
فالمحتاج إلى مزيد البيان على أصل الصيغة: هو الواجب الكفائي، فإذا لم ينصب المولى قرينة على إرادته- كما هو المفروض- يعلم أن مراده الوجوب العيني.
إطلاق وجوب إنقاذ كلّ منهما بترك الآخر، فيصير الوجوب في كلّ منهما مشروطا.
و ليس الواجب الكفائي كذلك، لوحدة الملاك فيه، فجميع الخطابات الكفائية لا تحكي عن ملاكات عديدة، بل عن ملاك واحد، فلا يتمشى فيها الاشتراط المزبور.
الخامس: أن يكون الوجوب بالنسبة إلى كلّ واحد مشروطا بعدم بناء الآخر على الإتيان بالفعل، فإذا علم واحد من المكلفين ببناء غيره على الترك وجب، فمع العلم بالبناء على الفعل لا يجب على الغير، و لذا مع الشك في العزم على الإتيان به- لأنه شكّ في التكليف- تجري فيه البراءة.
و الحاصل: أن الوجوب منوط بإحراز بناء الغير على الترك، فما لم يحرز هذا البناء الذي هو شرط الوجوب لا يحكم به، هذا و فيه:
أوّلا: ما تقدم من: أنّه إنكار للوجوب الكفائي، لرجوعه إلى الوجوب العيني المشروط.
و من: إنّه لا يتّصف الفعل من أحد منهم بالوجوب إذا بنى الجميع على الإتيان به، لعدم تحقق شرط وجوبه، و هو البناء على الترك.
و ثانيا: أن لازمه سقوط الوجوب عن الباقين بمجرّد بناء بعض على الإتيان به، بل عدم ثبوته في حق الباقين بمجرد بناء غيرهم على الفعل و لو لم يشرع بعد فيه فضلا عن إتمامه. و هذا خلاف ما ذكروه في الواجبات الكفائية: من أنّ سقوطها منوط بالإتيان بتمام الواجب، أو الشروع فيه.
و أما مجرد البناء على الفعل، فلم يدلّ دليل على مسقطيّته عن الغير.
فالحق- على حد تعبير المروج «حفظه الله»- هو الأول، أعني: تعلق الوجوب الكفائي بكلّ واحد من المكلّفين على سبيل العموم الاستغراقي، كتعلق الوجوب العيني بهم، بأن يقال: أن الوجوب سنخ واحد سواء أ كان عينيا أم كفائيا، أم تخييريا أم تعيينيا، فإنّ تعلقه بمعيّن ترجيح بلا مرجح، فلا بدّ من أن يتعلق بالجميع كالوجوب العيني، و لا فرق بينهما من هذه الحيثية، فالتكليف كالمكلف به متعدد في كلّ من الوجوب العيني و الكفائي، فكما يتعلق الوجوب العيني المتوجّه إلى كلّ واحد من المكلفين بفعل نفسه لا بفعل غيره، فكذلك الوجوب الكفائي، فإذا امتثل الكلّ استحقوا الثواب، و إذا عصوا استحقوا العقاب، بمعنى: استحقاق كل واحد منهم عقابا مستقلا كما في الواجبات العينية.
فالفرق: بين العيني و الكفائي هو: أنّه إذا بادر أحدهم إلى الامتثال سقط عن الباقين و الكفائي، دون العيني، و منشأ هذا الفرق هو: ارتفاع موضوع التكليف بهذه المبادرة في الواجب الكفائي، حيث أنّ موضوع وجوب التجهيز- مثلا- الميّت الذي لم يجهز، فتجهيزه مرة واحدة يخرجه عن هذا الموضوع، و إلا فليس اختلاف في حقيقة الوجوب حتى يفرّق فيه بين العيني و الكفائي، بل الاختلاف إنّما هو في متعلق الوجوب، لخصوصية أخذت فيه، لما عرفت: من أن متعلّق الوجوب الكفائي متخصص بخصوصيّة ترتفع بمبادرة واحد منهم إلى الامتثال، و ليس متعلّق الوجوب العيني كذلك، هذا: