فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - نظريات الوضع بين التكاملية والتضاد
نظريّات الوضع بين التكامليّة والتضاد
هذه الآراء الثلاثة التي تُطرح عادة بأدلتها التي إختصرناها في عرضنا الآنف يمكن تكميل بعضها ببعض بعد معرفة الحقائق التالية:
١- ليس بالضرورة أنْ تكون أيّة ظاهرة طبيعية أو إجتماعية، وليدة عامل واحد، فقد يكون أكثر من عامل سبباً لها، إما بصورة منفردة كما الحرارة قد تكون بسبب إشراقة الشمس أو بالنار أو بالإحتكاك، أو بصورة مجتمعة مثل الثورة التي قد تكون وليدة عشرات العوامل الإقتصادية والسياسية والدينية.
كذلك اللغة- التي هي من أسمى خصائص الإنسان حتى سُمّي بأنه حيوان ناطق- قد تكون وليدة أكثر من عامل، فلا ريب إنّ إسم شارعك وضعه الناس أو البلدية، كما إسم إبنك وضعتَه أنت، ولاريب إن إسم الهرّة باللغة الصينية والمصرية القديمة شبيهة بإسمها عند الأطفال «مياو» والكلمة مأخوذة من مناسبة طبيعية بين هذا الحيوان وبين صوته ..
ولاريب أنّ الله سبحانه علّم الإنسان البيان، سواءً عبر توفير أعضاء النطق له، أو عبر تعليم آدم والأنبياء له، أو عبر إلهامه إيّاه باللغة.
ولاتتعارض كل تلك النظريات مع بعضها إلّا عندما نريد أن نحدِّد مدى تأثير عامل في العملية الكلية.
٢- أمّا ماذكره أصحاب كل رأي من ملاحظات ضد الرأي الآخر فإنها لاتعدو أن تكون نوعاً من الإستبعاد، بلا دليل كافٍ، وفيما يلي نذكر بعضاً منها:
إستدلّ المحقق النائيني على أن الواضع للغات هو الله سبحانه، فقال:
«بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم، جعل لكلِّ معنىً لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبةٍ بينهما مجهولةٍ عندنا.» [١]
أما كيف تمَّ هذا الجعل وهذا الوضع؟ فإنّه رأى أنه لم يكن تكوينياً محضاً ولا تشريعياً محضاً. (فلا هو كخلق الإنسان، ولا هو كبعث الرسل) بل إنه يكون بالطريقة التالية التي يشرحها بقوله: «يُلْهِم الله تبارك وتعالى عباده- على إختلافهم- كلّ طائفةٍ بلفظٍ مخصوصٍ
[١] - محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ٣٩.