فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - جيم دلالة الفعل على الزمان
والإنصاف أن هؤلاء الأصوليين لم ينكروا دلالة الفعل على الزمان، وإنما أنكروا أن تكون الدلالة جزءًا من دلالة الفعل ومقوّماً لحقيقة الفعل حيث قال بعضهم:
«نعم إنها (الأفعال) تدل عليه (الزمان) بالدلالة الإلتزامية إذا كان الفاعل أمراً زمانيّاً، وهذه الدلالة غير مستندة إلى الوضع، بل هي مستندة إلى خصوصية الإسناد إلى الزماني، ولذا هذه الدلالة موجودة في الجمل الأسمية أيضاً إذا كان المسند إليه فيها زمانياً، فإذا قيل" زيد قائم" فهو يدل على قصد المتكلم الحكاية عن تحقق المبدأ وتلبس الذات به في الخارج بالمطابقة، وعلى وقوعه في أحد الأزمنة الثلاثة بالإلتزام.» [١]
وقد أوضح العلامة مصطفى جمال الدين (رحمه الله) الفرق بين نظريتي النحاة والأصوليين بالقول:
«من كل ماتقدم من أدلة ومناقشات ظهر لنا أنّ الفعل باعتبار مايتضمنه من حدث منسوب إلى فاعل، لابدّ له من زمان يحدث فيه، وهذا مااتفق عليه النحاة والأصوليّون، ولكن النحويين ربطوا هذا الزمان بالمسألة الصرفية، أي بدلالة الصيغة في أصل وضعها اللغوي على الزمن، فصيغة (فَعَلَ) تدل على الزمن الماضي، وصيغة (يَفْعَلُ) تدل على الحاضر والمستقبل، وصيغة (إفعل) تدل على الحاضر عند بعضهم وعلى المستقبل عند بعضهم الآخر.
«أمّا الأصوليون فقد ربطوا هذا الزمان بالمسألة النحويّة، لا بالمدلول الصرفي للصيغة، أي أنهم ربطوه بطريقة تأليف الجملة وسياقها ودلالتها حسب مواقع الخبر والإنشاء وبحسب القرائن المقيّدة لإطلاق الفعل، سواء كانت قرائن مقامية من كون الفاعل زمانياً والفعل خبرياً، أم قرائن لفظية مما يحيط بالفعل من أدوات النفي والشرط والتحقيق والتسويف والظروف المختلفة التي تصرف الفعل إلى زمان غير زمان الصيغة الذي يفترضه لها النحويّون.» [٢]
وأتصوّر إنّ اللغة العربية كما سائر اللغات ليست قائمة على الدقّة الفلسفية التي يحاول البعض قراءتها بها، بل على الفهم العرفي العفوي الذي يعتمد على طبيعة المحاورات العرفية، وقد اعتمد الفقهاء وهم يتدبرون في القرآن ويدرسون الأخبار على ذلك الفهم العرفي البعيد عن التعقيدات الفلسفية، فما أجدر بنا أن نتَّبع ذات المنهج في فهم اللغة ومفرداتها وصيغها ومنها فهم دلالة الأفعال.
[١] - محاضرات، ص ٢٦٢.
[٢] - البحث النحوي عند الاصوليين، ص ١٦٨، وأيضاً أنظر: ص ٣٠٦- ٣٠٧.