فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - ٥ - الأسماء إشارات إلى الحقائق
وأمّا ما أفاده (قدس سره) من «أنَّ الصحّة في المقام بمعنى تمامية الشيء في نفسه ... وأنَّ الصحة من جهة قصد القربة، أو من جهة عدم النهي، أو المزاحم خارجة عن محلّ النزاع وغير داخلة في المسمّى، فإنّه في مرتبةٍ سابقةٍ قد يُوجد له مزاحم، وقد يُقصد به التقرّب، وقد يُنهى عنه، ولكن مع ذلك لهذه الأمور دخل في الصحّة وفي فعليّة الأثر. فلو كان للصلاة- مثلا- مزاحم واجب، أو أنهّا نهُيَ عنها، أو لم يُقصد بها التقرب لم يترتَّب عليها الأثر. وعليه فما يترتَّب عليه الأثر بالفعل لم يُوضع له اللفظ يقيناً، وما وُضِعَ له اللفظ ليس إلّا ما يكون مقتضياً وقابلًا لترتُّب الأثر عليه [١]».
إنَّ ما ذكره متين، وهو إشكال يُذكر عادةً في مثل هذه الموارد، ولكنَّهم يجيبون عنه بتعدد الخطاب والأمر. مثلا: حين يأتي الامر الإلهي بإقامة الصلاة، فإنَّ الإقامة تعني الإتيان بها بكامل شروطها، ومن شروطها قصد القربة وعدم المزاحم وما أشبه.
٥- الأسماء إشارات إلى الحقائق
إلا أنَّ هذا الاشكال لا ينفي وجود جامع بين الافراد الصحيحة من جميع الجهات الداخلة في إطار معنى الصلاة. وعند التأمل في معاني الالفاظ نجد أنهّا علامات وإشارات إلى الحقائق الخارجية، كما قد بَيّنا مراراً، وليس إلى المفاهيم الذهنيّة، وعليه فإنه يكفي منها ما يُنبّه الفكر إلى المشار إليه. مثلا: إذا كانت الصلاة تعني العمل بما يُقرِّب إلى الله سبحانه، أو ما فيه إشعار بحالة العبودية والمخلوقيّة والتبتُّل، فإنّ الإشارة إلى ذلك كافية، ولا ريب أنَّ هذه الحالة لا تكون إلا في الصلاة الصحيحة مثل ما ذكره البعض في المقدمة الموصلة، ومثل ما يفهمه العرف عند التخاطب بكلمة الطائرة أو السيّارة أو السفينة أو ما أشبه، فإنها تدل على المعاني الصحيحة، خصوصاً إذا قيل للشخص إركب سيّارةً أو إستقل سفينةً أو سافر بالطائرة .. فإنَّ كل تلك الألفاظ تدل على ما يوصلك إلى غايتك. فالجامع بين الافراد السليمة من وسائل النقل هو الاشتراك في الإيصال وتحقيق الهدف.
كذلك معنى الصيام والصلاة والحج فإنها تعني الإشارة إلى العبادات، والجامع بين أفرادها الصحيحة هو حالة العبوديّة والتقرّب زلفى إلى الله. فتأمَّل في أشباهه في المخاطبات العرفية تجده واضحاً.
[١] - محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ١٦٦.