فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - باء دور السياق في كشف المعاني
لاصلة ذاتيّة بين هذه الأصوات وما تشير إليه من معنى، لكنَّ ذلك لايتمّ بسهولة، إذ لابد من تكرار الربط بين هذين الحدّين: الدالّ والمدلول حتى تتولّد المواضعة الإجتماعية التي تحلّ محلّ الصلة المفقودة في إحكام الربط بين الدالّ والمدلول، مما يزيل الإعتباط ويرسخ (العقد) العرفي الإجتماعي الذي تُفسَّر في ضوئه جميع الدلالات اللغوية.» [١]
ومعرفة هذه العلاقة هي كُنه معرفة اللغة، وقد اهتم علماء الأصول بها من خلال ما أسموه بالتبادر حيث أنّ الذي يعيش في أجواء المتحدثين بلغةٍ معيّنة، تتكوّن عنده من خلال محاوراتهم وسياقات كلامهم تلك العلاقة بين الكلمة ومعناها بحيث يستدعي ذهنه عند سماع الكلمة ذلك المعنى كما تثير العطشان رؤية الماء والجائع ريح الطعام.
يقول المحقق الآخوند الخراساني (قده): «إن تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه إلى الذهن من نفسه وبلا قرينة، علامة كونه حقيقة فيه، بداهة أنّه لولا وضعه له لما تَبادَر». [٢]
وبالرغم من أنّ التبادر يبقى علامة وسِمَة على حقيقة الوضع، إلا أنّه لايكفي، إذ أنّه قد يختلف المتحدِّثون بلغةٍ، في التبادر أو في حدود دلالته، ثم إنّ كل متحدث له لغته الخاصة ومصطلحاته، مما نحتاج لمعرفتها إلى أكثر من دليل يدلّنا على المعاني وبالذات الأبعاد الدقيقة لمعاني الكلمات والتي فيها يختلف الباحثون وليس في أصل المعنى.
وهكذا توجَّهت أنظار علماء الألسنية إلى علامة أخرى لكشف مراد المتحدث وهي السياق.
باء: دور السِّياق في كشف المعاني
لكلّ كلمة نواة مركزيّة هي معناها الذي نقرءه في المعجم، وفروع تتشعب من تلك النواة وهي ظلال الكلمة ومعاريضها وأبعادها. وحين تتصفح المعاجم تجد عادةً أكثر من معنى لكلّ كلمة هي مواضع إستعمال الكلمة.
وحسبما يقول أولمان: «الدارس المعجمي يلاحظ كلّ كلمةٍ في سياقها كما ترد في الحديث أو النص المكتوب، ثم يستخلص عن ذلك العامل المشترك العام ويسجّله على أنّه
[١] - المصدر، ص ٢٩٣.
[٢] - راجع: كفاية الأصول في بحث التبادر، وقد تحدّثنا بإذن الله تعالى في مسألة التبادر في هذا الكتاب.