فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٩ - تاريخ بحث الحقيقة الشرعية
وقال المحقق الخراساني: «ويدل عليه (الوضع بالإستعمال) تبادر المعاني الشرعية منها (من الألفاظ المبحوث عنها) في محاوراته». [١]
نعم ربما أصبح هذا البحث اليوم غير هام بسبب كثرة التحقيق في كلمات الشارع عبر التاريخ الطويل للفقه، ولعل بحث الحقيقة الشرعية ساهم في مثل هذه التحقيقات.
وهناك سبب آخر لعدم الإهتمام بهذا البحث من قبل البعض هو أنّهم اختصروه في بضع كلمات قد أصبحت معلومة عند الجميع أنها حقائق شرعية أو متشرعية، ولم يوسّعوا البحث إلى كلمات أخرى متشابهة من هذه الجهة، كما سبقت الإشارة الى ذلك، ونحن فيما يلي نطرح بعض تلك الكلمات:
أولًا: البلوغ، فهل هناك حقيقة شرعية لهذه الكلمة أم معناها البلوغ عند العرف؟ وهذا البحث لايختص بالإنسان بل بالحيوان ايضاً بل بالنبات، فلكل شيء حدّ إذا بلغه سمّي بذلك الإسم واعتبر كماله. فالإنسان والحيوان عندما يصلان إلى مرحلة الإنجاب يبلغان حدّهما عرفاً، وكذلك النباتات إذا أثمرت. فإذا كانت الكلمة لها حقيقة شرعية، بمعنى أن يكون البلوغ حسب الشرع مختلفاً عنه حسب العرف فإنَّ الطفل (فتى أو فتاة) إذا بلغ النكاح بأن إحتلم الفتى وطمثت الفتاة دون السن المحدد شرعاً (العاشرة مثلًا) لايُعتبران بالِغَيْن، وكذلك إذا اكتمل الظأن أو المعز دون الحد الشرعي وكان بالغاً مرحلة التلقيح ولكن دون السن المأمور به في الأضحية للحج لايكفي حتى يبلغ. والعكس كذلك، فإذا تأخر بلوغ الطفل لخلل في غدده وبلغ السن المعلوم شرعاً فإنه يُعتبر بالغاً، حتى ولو لم يعتبره العرف بالغاً خصوصاً مع تطور علم هندسة الجينات حيث قد يُقدم أو يُؤخر بلوغ الإنسان والحيوان وحتى النبات حسب تطوير جيناته المسؤولة عن غدد البلوغ.
ثانياً: السفر هل له حقيقة شرعية، أم لايزال اللفظ يعني المعنى العرفي؟ وهكذا إذا كان الفرد قد إختار موطناً لإقامته وحصل على شروط الإقامة فيه من دار وعمل وإجازات رسمية وقرّر ذلك مما يُعتبر عرفاً أنه الآن في وطنه، فهل يكفي ذلك؟ أم لابدّ أن يقيم فيه ستة أشهر؟ وأساساً إذا لم يصدق عليه أنه مسافر فهل يكفي لإتمام صلاته؟ وهكذا المتحرّك في المدن الكبيرة الذي يُسمّى عرفاً مسافراً، هل يكفيه ذلك أم لابدّ أن ينتقل إلى البيداء بحيث يسفر وجهه للسماء، أم ماذا؟ وهكذا المسافر إلى الفضاء أو عمق البحر هل يكفيه
[١] - المصدر، ص ١٤٦.