فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٣ - حوار في الحقيقة الشرعية
الصلاة كانت تعني عندهم الدعاء أو الخضوع، وكانت صلاتهم بضعة كلمات وبضعة حركات محدودتين، فإذا بها تعني منظومةً متكاملةً من المعاني والهيئات كما نعرفها اليوم.
وهكذا الحال مع كل تحوّل حضاري كبير، مثلًا عند إنفجار ثورة المعلومات في العالم، ومن قبلها الثورة الصناعية أصبحت الكلمات تحمل معاني جداً مختلفة عن المعاني السابقة في السعة والعمق. فإذا كانت كلمة السفينة تعني قديماً بضعة أخشاب طافحة على الماء وتتحرك بالأشرعة الهوائية، فإنّها تعني اليوم حاملات الطائرات العملاقة، وهكذا غيرها.
وبهذا نعرف أن نقلة الألفاظ من معانيها السابقة إلى الجديدة كانت نقلة نوعية في فهم الحقائق عند الناس. فمعرفتهم بالله سبحانه قبل نزول القرآن لايمكن قياسها بمعرفتهم به سبحانه بعده، أليس كذلك؟
وهكذا بالنسبة إلى سائر العقائد والأحكام مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحج.
ويبدو أن النقلة تمت عبر مراحل:
ألف: في البدء كانت كلمة الصلاة مثلًا تعني- عند استعمالها- ذات المعاني السابقة، ولأنّ الأحكام وردت بصورة تدريجية فإنها كانت مهيّأة لتتغيَّر عند الناس، لمعرفتهم أن الدين الجديد لابدّ أن يحمل معه معاني جديدة، ولذلك كان يكثر سؤالهم عن شؤونها.
فمثلًا: حينما وردت الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [١]. عرف الناس أن العبادة والوقوف امام الرب لابدّ أن يسبقها التطهر ..
باء: كان النبي صلى الله عليه وآله يأمرهم بأن يضيفوا إلى العبادة المعروفة بعض الهيئات والأجزاء والشرائط، مثلا حينما نزلت الآية: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [٢].
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إجعلوها في ركوعكم.»
[١] - المائدة، ٦.
[٢] - الواقعة، ٧٤.