فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٤ - ألف وحدة مدلول الجملتين، حسب منهج الخراساني
أ- فالجملة الإخبارية هي التي تحكي واقعاً خارجياً كقولنا: ذهب القطار، أو سيذهب القطار، أو القطار ذاهب الآن، فإنَّ هذه الجملة التي فيها نسبة تامّة حيث أسندنا الذهاب إلى القطار في أحد الأزمنة الثلاث (الماضي، المستقبل، الحال) إنها جملة إخبارية، ومِيزتها أنّها قد تكون صادقة إذا كان القطار فعلًا قد ذهب أو أنه فعلًا سيذهب أو هو ذاهب تلك اللحظة. وهكذا عَرَّفوها بأنها تحكي واقعاً خارجياً قد تطابقه فتكون صادقة أو لاتطابقه فتكون كاذبة.
بأمّا الجملة الإنشائية مثل جملة:" يركب المسافرون القطار" فإنّها تُوجِد نسبةً إسنادية بين الركوب للقطار والمسافرين. وهكذا فإنّها لاتُوصَف بالصدق والكذب لأنّ معناها تتحقق بالجملة، وليس تعكس الجملة ذلك المعنى، وهكذا فإنها" تُوجِد" المعنى.
وقد قادت التأملات المتأخرين من علماء الأصول إلى إبداء نظريّات مختلفة عمّا ذهب إليه المشهور، وهكذا برزت نظريّات متباينة في موضوع الفرق بين الإنشاء والإخبار:
ألف: وحدة مدلول الجملتين، حسب منهج الخراساني
ذهب المحقق الآخوند الخراساني إلى أنّ معنى الإنشاء، هو معنى الإخبار إلا الفرق بينهما في الداعي إلى الإستعمال. فإذا قال أحدهم- حكاية عن قيامه بصفقة تجارية في الماضي-:" بعتُ الدار" فإنّ داعيه في بيان هذه الجملة: حكاية فعلٍ، بينما إذا قال ذات الكلمة في معرض إجرائه الصفقة الآن:" بعتُ الدار" فإنّ داعيه إلى إستعمال هذه الجملة قصده إيجاد صفقة البيع، فالمختلف بين الأمرين فقط داعي الإستعمال.
وهكذا قال المحقق الخراساني: «إنّ طبيعيّ المعنى الموضوع له واحد فيهما (الخبريّة والإنشائيّة) والإختلاف بينهما إنما هو في الداعي، فإنّه في الإنشاء قصد إيجاد المعنى، وفي الخبر قصد الحكاية عنه، وكلاهما خارجان عن حريم المعنى». [١]
وهناك أكثر من تعليق على ماذهب إليه المحقق الخراساني- قده- وقد وافقه مَنْ بَعْدَه في بعض آرائه. وقبل أن نسرد بإيجاز ماذهبوا إليه ينبغي أن نعرف معنى الإنشاء. فماذا تعني كلمات العقود، مثل: «بعتُ، أنكحتُ، أجّرت» أو كلمات الطلب أو السؤال مثل: كُل، لاتُسرف، ماذا تقول؟ وماأشبه؟ الجواب: إنّ هناك حالات للقلب البشري قد يعبِّر عنها
[١] - محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ٩٤، عن: كفاية الأصول، ص ٢٧.