فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - ٣ - الحروف معان إيجادية
الحروف مجموعة حقائق متناثرة وإنما الحروف تجمعها. كيف تجمعها؟
تُوجِدْ فيما بينها إرتباطاً. ألا ترى في الجملة التالية: (سرتُ من البصرة إلى الكوفة) تبقى مدينتا البصرة والكوفة وأيضا حركة السير حقائق متناثرة وبالحروف: مِنْ، إلى، وهيئة فعل (سرتُ) تتحقق العلاقة، وعند التأمّل- حسب هذه النظرية- نجد أنّ السير والكوفة والبصرة حقائق مفهومة في الذهن، بينما (مِنْ) و (إلى) لفظان بلا معنى ولا مفهوم إلّا من خلال علاقتهما بالأسماء.
وهكذا قال المحقِّق النائيني:
«إنّ المعاني الحرفية بأجمعها إيجادية، وإلّا لكانت إخطاريّة فتكون هناك معانٍ متعدِّدة إخطاريّة كمفهوم زيد، ودار [١]، ومفهوم النسبة الظرفيّة لاحقيقتها، فما الرابط لهذه المفاهيم غير المربوط بعضها ببعض [٢]».
ويبدو من دليل المحقق النائيني (قده) الذي ساقه لنظره أنَّ مراده من كلمة (إيجاديّة) التبعيّة، أي ما يقابل الاستقلالية حيث أنّه قابلها ب- (الإخطارية) والسبب الذي دعاه إلى ذلك أنّه لو كان معنى الإسم والحرف واحداً لكان المتحدّث قد التفت إليهما كليهما وعندئذ يفقد الكلام الرابط، ونضرب مثلا لذلك: إنَّ هيئة (ضَرَبَ) التي هي قالب لمادة (الضرب) لا نلتفت إليها، إنّما دور الهيئة صياغة المادة بحيث يَفهم المستمع منها النسبة، وهكذا لم ينفِ المحقق النائيني وجود معنى للحرف، بداهة أنَّ كل متحدثٍ بالعربية أو حتى بأيّة لغة يعرف أنّ للحروف معان، وإنما نفى الالتفات إليه عند الحديث لكي لا يفقد خاصية الربط التي في المعنى الحرفي. وقال في موضع آخر من حديثه:
«ومنه ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكل أمر غير ملتفت إليه بالمعاني الحرفية [٣]».
وقال في موضع آخر:
«إنَّ الحروف وُضِعَت بإزاء نسب خاصة كلامية، ولذا لا تقع محكوماً عليها ولا محكوماً بها بخلاف الأسماء فإنّها من جهة إستقلالها بالمفهومية قابلة لكليهما [٤]».
ومن هنا نرى أنَّ المحقق النائيني أجَلّ من نفي معنى للحرف أساساً، وإنّما هدفه بيان
[١] - يعني في قولنا: (زيد في الدار).
[٢] - أجود التقريرات، ج ١، ص ٢٠.
[٣] - المصدر، ص ٢٢.
[٤] - المصدر، ص ٢٣.