فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٩ - ٣ - الحروف معان إيجادية
وضعَ الواضع للكلمات، والاشتراط يكون بهدف تحديد وضع الكلمات لتلك الحاجة، والاستقلالية والآلية من ضمن تلك الحاجة. ويبقى سؤال: إذا كانت حقيقة وضع الحروف والأسماء- الدالة على معانيها- واحدة، فلماذا لا يجوز إستخدام أحدهما موضع الآخر، فلا يجوز أن نقول: (سرت الابتداء البصرة الانتهاء الكوفة)؟ الجواب:
إنَّ الحرف- وكما يدلّ عليه معناه وهو الطرف- موضوع لبيان الإبتداء ولكن ليس كحقيقةٍ مستقلةٍ بل إبتداء السير، وكذلك لبيان الإنتهاء- ليس كواقع مستقل- بل إنتهاء السير، وهذا معنى (مِنْ) و (إلى) عند التأمل، وهذه العُلقة الوضعية المحددة تتنافى وتتناقض مع إستخدام كلمتي الابتداء والانتهاء من ناحية الاستعمال بل هو مستهجن لأنّه يخلّ بنظام الجملة. وهذا ليس كاستخدام كلمة الأسد في الرجل الشجاع، لأنّه لاتضادّ ثَمّة بينهما، بل إنّه مثل إستخدام (فوق) مجازاً على معنى (تحت). وهكذا نجد أنَّ ما قاله المحقق الخوئي (قده) في رده على المحقق الآخوند غير مقنع حيث قال:" إنَّ إستعمال اللفظ في معنىً غير المعنى الموضوع له إذا جاز من جهة العُلقة الخارجية (في المجازات) والمناسبة الأجنبية، مع فرض إنتفاء العُلقة الوضعيّة بينه وبين ذلك المعنى، كان مقتضاه الحكم بالصحّة بطريقٍ أولى إذا كانت العُلقة ذاتية وداخلية" (مثل العلاقة بين كلمة الابتداء ومِنْ) ثم قال: «مع أنّه من الغلط الواضح، بل لو تكلّم به شخص لَرُمي بالسَّفه والجنون [١]».
وجه عدم إقتناعنا بكلامه أنَّ العلاقة الوضعيّة بين الحرف ومعناه منافية للعلاقة الوضعيّة بين الإسم ومعناه (من هذه الجهة) فلا يمكن الإستخدام المجازي فيه، لأنَّ إشتراط إستخدام المجاز عدم التنافي بينه وبين الحقيقة. والله العالم.
فتلخص انَّ في نظرية المحقق الخراساني (قده) وجه صحة لو تأملنا فيها بالرغم من أنّها بحاجة إلى تكميل بسائر النظريات في هذا الباب، وإنّ الردود الواردة عليها لم تتناول جوهر النظرية بل بعض ما استدل به عليها.
٣- الحروف معان إيجادية
أرأيت كيف أنَّ العَرَض (بياض الجدار مثلا) إنّما يقوم بالجوهر (الجدار)؟ كذلك المعنى الحرفي إنّما يقوم بالمعنى الاسمي، فلا وجود له إلّا به، بل وإنّ الاسماء تبقى من دون
[١] - محاضرات في أصول الفقه، ج ١، ص ٦٥ و ٦٦.