فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - ٢ - الحرف آلة بشرط الواضع
كل حال، وقد تكون ثابتة في حالٍ معيّن فلا يصح إستعمال اللفظ في المعنى إلا في ذلك الحال دون غيره من الأحوال. فالفرق بين الأسماء والحروف أنَّ الاسماء وُضِعت للمعاني ولكن قُيِّدَت العُلقة الوضعية- بمعنى قُيِّد حصولها- بين الاسم والمعنى في حال اللحاظ الاستقلالي فلا تحصل إلّا في هذا الحال، فمع اللحاظ الآلي لا عُلقة بين الاسم والمعنى فلا يصح الإستعمال. والحروف وُضِعَت لمعانيها ولكن قُيِّد حصول العُلقة بينهما في حال اللحاظ الآلي فلا تحصل إلّا في هذا الحال، فمع اللحاظ الاستقلالي لا عُلقة بين الحروف والمعنى فلا يصح الإستعمال، فالموضوع له في كل من الحروف والاسماء واحد إلّا أنَّ العُلقة بينه وبين الحرف في حال وبينه وبين الاسم في حال آخر». [١]
وقد فَسَّر بعضهم رأي المحقق الخراساني عند بيان الفرق بين الحرف والاسم بما يلي: إنّ الواضع قد شرط بألّا يُستخدم الحرف إستقلاليّاً.
وقد أثار هذا التفسير جملة ملاحظات، والذي ينبغي أن يُقال في هذا الحقل: بما أنّ وضع اللغات ظاهرة إجتماعية ترجع إلى تباين الناس فيما بينهم في كيفية تبادل المعلومات مما يجعله شبه تعاهد وميثاق- حسبما سبق شرحه- فإنَّ إشتراط الواضع- حيث يكون شخصاً أو مجموعة أشخاص أو حتى عرف الناس- ذات أهمية، لأنه بيان لكيفيّة التفاهم ويدخل ضمن الميثاق الاجتماعي، وهكذا حيث رأى الناس ثقل الكلمات الاسميّة في بيان معاني النسبة، أي الصلة الرابطة بين الحقائق والحوادث بعضها مع بعض، إستحدثوا الحروف والهيئات لهذه المهمة واشترطوا إستعمالها حينها، كما إشترطوا إستخدام سائر الكلمات في معانيها المحددة.
ثم إنَّ التعبير بالاستقلالي والآلي ليس دقيقاً في بيان حقيقة الحرف، إذ قد يكون معنىً حرفي ذات أهمية عند بيان الجملة، كما قد يكون معنىً أسمي غير ذات أهمية .. وهكذا نُفضِّل التعبير بأنَّ الحرف يُعبِّر عن النسبة وهي غير مستقلّة.
وقد أثار بعضهم مناقشة حول أنّ اللحاظ الآلي والاستقلالي إنما هو من شؤون الاستعمال والذي يكون بعد الوضع، فكيف يدخل ضمن شروط الوضع. وهذه مناقشة غريبة، إذ أنَّ المستعمِل للكلمات إنّما يستفيد منها لبيان مقاصده، والمفروض أنْ يحدِّد الواضع تلك المقاصد قبل وضعه الكلمات، وهكذا تسبق حاجةُ المستعمِل إلى البيان، تسبق
[١] - منتقى الأصول، ج ١، ص ٩٠- ٩١.