فقه الإستنباط دراسات في مبادئ علم الأصول - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - ١ - مراحل الوضع
يتم وبسرعة فائقة إستعراضها وتقييمها وتطويرها.
وهذا الرمز يختلف في رأي الكثير عن التصوّر التفصيلي الذي يستفيد منه خيال البشر، حيث يستحضر الذهن به تفاصيل ما يعرفه من الأشياء، والذي يسميه العرب بالظن- حسبما يبدو لي- فإنك مثلا تعرف إجمالا وجود الجنة والنار ويوم الحساب، ولكنك قد تستعرض بظنك وتصوّرك التفصيلي صورة كل هذه الحقائق فيخشع قلبك وتدمع عينك وتلجأ الى الله للنجاة من النار والفوز بالجنة.
ويضرب دوسوسير مثلا لهذا التصوّر (التخيّل) بالذي ينشد أبياتا من قصيدة شعريّة دون أنْ يحرّك شفتيه أو لسانه [١].
٢- بعد مرحلة الرمزيّة الاجماليّة والتصوّر التفصيلي تأتي مرحلة التعبير عنه، حيث يبدء بالإشارة (قد تكون باليد أو بقسمات الوجه أو بالرسم أو بأصوات بدائيّة قريبة من اللغة مثل حكاية صوت الحيوان للدلالة عليه، مثل: ماو ميو كاسم للهرة) وبعد الإشارة يتم إختراع الأسماء حيث يبدو لي أنّه أول الكلام.
٣- ويقوم الذهن بالتعاطي مع الرموز وإيجاد شبكة واسعة من العلاقات بينها ثم يحاول التعبير عنها بالكلمات، وهكذا تتطوّر اللغة، وعادةً ما تقصر الكلمات عن الاحاطة بالمعاني التي تجول في الخواطر، ومن هنا لا يخلو كل كلام من الإشارة أو من التنغيم والتركيز على بعض الحروف، أو ترتيلها ومدّها والسكون على بعضها وما أشبه، مما يتناوله علم العَروض حديثاً وعلم التجويد قديماً [٢].
وهذه العلاقات التي يتعرّف عليها الانسان خارجاً، كالعلاقة بين الفاعل والمفعول، والعلة والمعلول، والظرف والمظروف، وكذلك تلك العلاقات التي يضعها الذهن بين الأشياء، مثل ما تفرزه مخيّلة العاشقين والشعراء، كلها بحاجة إلى أداة للتعبير، والأداة هي الحروف والهيئات (مثل: الفعل وأسماء الفاعلين والمفعولين وما أشبه).
ويستخدم الفكر قواعد في إيجاد الترابط بين الصور والرموز (الأفكار) وهذه القواعد هي التي يحاول النُحاة والمناطقة معرفتها وتسجيلها في علم النحو أو علم المنطق [٣].
[١] - المصدر.
[٢] - انظر: مدخل الى الألسنية، الفصل الحادي والعشرون، علم العروض، ص ١٤٤- ١٤٨.
[٣] - انظر: المصدر، ص ٨٨.